معتقل عراقي سيّئ الصيت يُستخدم مركزا لتعذيب نشطاء الحراك الاحتجاجي

غالبية أوامر اعتقال النشطاء تأتي من خارج السلطات العراقية المخولة رسميا.
الجمعة 2019/11/15
لا خوف بعد اليوم

بغداد - اختارت الحكومة العراقية، ومن يساعدها من قوات غير نظامية تدار بشكل مباشر من قبل الحرس الثوري الإيراني، أن تحتجز المعتقلين على خلفية الاحتجاجات المتواصلة في البلاد منذ ثلاثة أسابيع، في مطار قديم وسط العاصمة العراقية، عرف بأنه موقع للتعذيب وانتزاع الاعترافات خلال حقبة العنف الطائفي في البلاد بين 2006 و2009.

وبالرغم من أن عدد المعتقلين في بغداد والمحافظات، وصل إلى قرابة الألف، منذ بدء الاحتجاجات مطلع أكتوبر الماضي، إلّا أن أماكن احتجازهم في العاصمة العراقية بقيت سرية حتى أطلق سراح عدد منهم خلال اليومين الماضيين.

وخلال الأسابيع الماضية، لم يعد ممكنا تحديد الجهة أو الجهات المخولة بالاعتقال، حتى أن مراكز الشرطة لم تعد تستقبل البلاغات التي تردها من ذوي أشخاص يختفون بمجرد خروجهم من ساحة التحرير وسط بغداد.

وقالت مصادر أمنية إن قائمة الجهات التي نفذت عمليات الاعتقال شملت الشرطة المحلية والشرطة الاتحادية والجيش وقوات مكافحة الشغب وجهاز الأمن الوطني والاستخبارات العسكرية وجهاز المخابرات والحشد الشعبي وميليشيات ليست منضوية في الحشد، مضيفة أن رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي نفسه في بعض الأحيان لا يستطيع أن يحدد الجهة التي اعتقلت هذا الناشط أو ذاك.

وفي الكثير من الأحيان، يجري نقل المعتقل من جهة إلى أخرى، لأسباب مختلفة، كما حدث مع الناشطة صبا المهداوي التي حاولت السلطات أن تلفق لها أكثر من تهمة، لمعاقبتها على تقديم أدوية للمحتجين. وفي أحيان أخرى كانت السلطات تستخدم تعدد جهات الاعتقال مبررا أمام ذوي المعتقلين في حال لم تستطع تحديد أماكنهم.

وتقول المصادر إن الكثير من أوامر الاعتقال تأتي من خارج السلطات المخولة رسميا، وربما من دون علم رئيس الوزراء الذي تؤكد المصادر أنه يعتمد على فريق استشاري من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، في إدارة غرفة عمليات السيطرة على التظاهرات.

وقال الناشط المدني علي هاشم، الذي يشارك في الحركة الاحتجاجية، إنه اعتقل قرابة العشرة أيام، حيث اقتادته “جهة أمنية”، إلى “مطار المثنى” وسط بغداد، وهو موقع عسكري يضم مطارا قديما استعمله الجيش العراقي موقعا لهبوط مروحياته التي تقل الجرحى خلال الحرب على تنظيم داعش، لكنه قبل ذلك كان معتقلا سريا.

ولم يقدم هاشم تفاصيل واضحة عن طبيعة اعتقاله، إذ ربما تعرض لتهديد بالتصفية في حال كشفه عن بعض المعلومات، لكن متظاهرين آخرين اعتقلوا وأطلق سراحهم، قالوا إن “مطار المثنى تحول إلى سجن كبير للتعذيب”.

ورغم الجسارة التي تميّز بها المحتجّون في العراق وإبدائهم صمودا في وجه موجة القمع الشديد، بحيث لم يؤثّر مقتل وجرح الآلاف منهم في زخم احتجاجاتهم، فإنّ حالة من الخوف تسود عوائل الشبان الذين يشاركون في المظاهرات، وخصوصا من يشتهرون كقادة للحراك الاحتجاجي.

سجن مطار المثنى السري مرتبط في ذاكرة العراقيين بحزب الدعوة الإسلامية ويحيل على مرحلة العنف الطائفي بين 2006 و2009

ويقول البعض إنّ الخوف من الميليشيات يفوق بكثير الخوف من القوات الأمنية، بل يذهب البعض حدّ القول إنّ الكثير من منتسبي القوات المسلّحة يخشون بدورهم الاختطاف والتوقيف بشبهة التعاطف مع المحتجين.

ووثّقت كاميرات مراقبة، الأحد الماضي، عملية اختطاف الضابط ياسر عبدالجبار، عميد المعهد العالي للتطوير الأمني والإداري التابع لوزارة الداخلية، على يد ميليشيا مسلّحة في وضح النهار بمنطقة الجادرية، ببغداد، واقتياده إلى جهة مجهولة.

ويهمس بعض أهالي رجال الأمن الذين قتلوا خلال الاحتجاجات بأنّ من قتل أبناءهم هم عناصر ميليشيات شيعية وذلك بهدف الإيحاء بأن المتظاهرين غير سلميين وأن بينهم مسلّحين مندسّين.

ويرتبط مطار المثنى في ذاكرة العراقيين بحزب الدعوة الإسلامية، الذي يشغل جزءا كبيرا من مساحته، تحت يافطة “المقر العام”.

وخلال مرحلة العنف الطائفي بين 2006 و2009، قالت منظمات حقوقية، إن الأمين العام لحزب الدعوة نوري المالكي الذي كان حينذاك رئيسا للوزراء، حوّل مطار المثنى إلى سجن سري، احتجز فيه المئات من المعارضين.

وتدخّل الجيش الأميركي بشكل مباشر في تلك المرحلة، لتفكيك مركز الاعتقال داخل مطار المثنى، الذي تسرب أنه شهد عمليات تعذيب وتصفية للعشرات من المعارضين.

وقال متظاهرون في بغداد إن مطار المثنى يستعيد ذاكرته في عهد رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي.

وأوضح عدد منهم في تصريحات لـ“العرب” أن “السلطات المشرفة على مطار المثنى كانت تفرج عن دفعات من المعتقلين الأقدم كلما وصلت دفعة كبيرة من المعتقلين الجدد، إذ لا يوجد متسع لكل هذه الأعداد من السجناء”.

وقالت مصادر سياسية مطلعة، إن الولايات المتحدة طلبت بشكل مباشر من عبدالمهدي، خلال الأيام القليلة الماضية، الإفراج عن الشبان الذين جرى اعتقالهم بسبب مشاركتهم في التظاهرات أو النشطاء الذين دعوا إلى المشاركة فيها أو الصحافيين الذين قاموا بتغطيتها.

وقال نشطاء إنهم يدرسون فعلا تنظيم تظاهرة قبالة موقع مطار المثنى في جانب الكرخ من بغداد، للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، لكن السلطات لن تسمح بهذا قطعا.

Thumbnail
3