معجزة الاقتصاد الألماني تتحدى جميع المقاييس

الخميس 2017/03/02

لا يمكن مقارنة معجزة الاقتصاد الألماني بأي اقتصاد آخر في العالم سواء المعجزات الحالية أو السابقة وسواء مع البلدان المتقدمة أو الناشئة أو النامية بسبب اختلاف المعايير والمقاييس ودرجة التقدم في جميع القطاعات الاقتصادية.

يكفي أن نتأمل أرقام الفائض التجاري الـذي سجلته ألمـانيا في العـام المـاضي والذي بلغ نحو 271 مليـار دولار، وهـو فائض لا يمكن مقارنته حتى بالفائض التجاري الصيني الأكبر، الذي بلغ 510 مليار دولار.

المقارنة العميقة التي تأخذ في الاعتبار جميع العوامل ستميل حتما لصالح ألمانيا لأسباب كثيرة أولهـا الفـارق السكـاني الهائل بين ألمانيا التي لا يزيد سكانها على 81 مليون نسمـة، في حين يـزيد سكـان الصين على 1.4 مليار نسمة، إضافة إلى طبيعة المرحلة الاقتصادية التي يمر بها البلدان.

فالصين اقتصاد صاعد ويتمتع بمزايا كبيرة مثل الأيدي العاملة الرخيصة وانخفاض تكلفة جميع عوامل الإنتاج، مقارنة بألمانيا التي تحلق فيه مستويات الأجور وتكاليف عوامل الإنتاج مثل سعر الأراضي والعقارات والمواد الأولية إلى أعلى المستويات العالمية.

كما أن طبيعة المرحلة الاقتصادية ومستوى دخل الأفراد يؤثران على الفائض التجاري حيث يرتفع الطلب على الواردات بسبب ارتفاع مستويات الدخل.

أهمية ذلك الفائض التجاري الألماني الهائل تتضح حين نشير إلى أنه يزيد على ضعف الفائض التجاري الفائض التجاري لمنطقة اليورو، الذي بلغ نحو 122 مليار دولار في العام الماضي. ويعني ذلك أن منطقة اليورو من دون ألمانيا، سجلت عجزا تجاريا بقيمة 149 مليار دولار.

ويشكل الفائض التجاري الألماني أضعاف الفائض الذي سجلته اليابان في العام الماضي عند 36 مليار دولار أو البرازيل عند 48 مليار دولار. وتتسع هوة المقارنة حين نشير إلى أن الولايات المتحدة سجلت في العام الماضي عجزا تجاريا بقيمة 502 مليار دولار، فيما سجلت فرنسا عجزا بلغت قيمته 51 مليار دولار.

جميع المقارنات تؤكد أن الاقتصاد الألماني لا يمكن مقارنته بأي اقتصاد وينبغي الاستفادة من دروسه البليغة في جميع بلدان العالم

ويخشى محللون أن يستهدف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أوصلته إلى الحكم وعوده بإعادة الوظائف والصناعات إلـى الأراضي الأميـركية إلـى البيـت الأبيـض، كبار البلدان المصدرة إلى الولايات المتحدة وستكون ألمانيا في أعلى قائمة الأهداف.

ورغم كل الأزمات الاقتصادية العالمية وتدفق موجات الهجرة وتبعات مفاجآت تصويت البريطانيين للانفصال عن الاتحاد الأوروبي وتصاعد دعوات الحمائية التجارية منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض، لا يزال الاقتصاد الألماني يتحدى جميع التوقعات.

فقد تسارعت وتيرة نمو الفائض التجاري بسبب ارتفاع الصادرات بنسبة 1.2 بالمئة وبما يعادل ضعف معدل ارتفاع الواردات، التي ارتفعت بنسبة 0.6 بالمئة في العام الماضي.

وتتضح أكبر الشهادات على معجزة الاقتصاد الألماني وبنيته المتماسكة في انخفاض معدلات البطالة إلى أدنى مستوياتها بين دول الاتحاد الأوروبي بل هي من أدنى المعدلات بين جميع الدول المتقدمة والاقتصادات الكبرى.

وقد بلغ معدل البطالة في نهاية العام الماضي 4.2 بالمئة وهو معدل لا يمكن مقارنته ببقية الاقتصادات الرئيسية في أوروبا، رغم أن ألمانيا تحملت لوحدها العبء الأكبر في استقبال موجات اللاجئين الكبيرة في العامين الماضيين.

ويشير محللون هذه الأيام إلى أن الأرقام الألمانية المبهرة قد تثير السياسات الشعبوية وخاصة في الولايات المتحدة، لأنها ستكشف عن اختلال الميزان التجاري الفاضح بين ألمانيا والولايات المتحدة.

وقد امتدت بالفعل انتقادات ترامب ومستشاره بيتر نافارو إلى ألمانيا حين اتهمـا برلـين بـــ“استغـلال” شـركـاء تجـاريين بينهم دول أوروبية والولايات المتحدة من خـلال الاستفادة من “التدني الكبير في سعر” اليورو لتعزيز تنافسية منتجاتها.

قوة الاقتصاد الألماني تتضح أكثر عند محاولة تفسير سر الترحيب الألماني باللاجئين وتفاصيل السياسة الاقتصادية، التي تمكنت في العقود الماضية من استيعاب الملايين من الباحثين عن العمل من تركيا ودول أوروبا الشرقية وبقاع أخرى من العالم.

وينبغي أن يتجه الحديث إلى الأسرار التي جعلت ألمانيا المحرك الأساسي لعجلة الاقتصاد الأوروبية، والمانح الأكبر لمساعدات إنقاذ الدول الأوروبية المتعثرة خلال أزمة الديون، من اليونان إلى أيرلندا والبرتغال وقبرص وصولا إلى إسبانيا وإيطاليا في أوقات الأزمات.

وحين تتحدث بريطانيا وبقية الدول الأوروبية عن العبء الاقتصادي لاستقبال اللاجئين، وعدم قدرتها على استيعـابهم في سوق العمل الذي يعاني من البطالة المـرتفعة، وأنهم سيـرهقـون برامج المساعدات الاجتماعية، فهي لا تجانب الحقيقة.

لكن الخلل في برامج المساعدات التي تشجع اللاجئين والكثير من سكان تلك البلدان على البطالة، لأنها توفر لهم مستويات معيشية أفضل من العثور على عمل، كما أن الخلل يكمن في عجز برامج التدريب والتوظيف على إيجاد عمل لهم.

في المقابل تملك ألمانيا برامج تدريب محكمة لتوفير الأيدي العاملة للماكينة الاقتصادية الجبارة، وتضع كل باحث عن العمل في البرنامج الملائم الذي يقوده للحصول على عمل.

ولا تنفصل برامج التعليم في ألمانيا عن المؤسسات الاقتصادية والمصانع. فالجامعات مثلا تخرج دفعات من الطلاب الذين يدرسون حاجات شركات محددة، لينخرطوا في تلك الشركات بعد التخرج، بدل الدراسات النظرية التي يتم اعتمادها في البلدان الأخرى وتصعب ملاءمتها مع حاجات سوق العمل.

وتبذل الأوساط الاقتصادية في ألمانيا يوميا كل ما في وسعها لتسريع دخول الآلاف من العمال وبينهم المهاجرون في سوق العمل، الذي يشكو من نقص اليد العاملة، بل إن الشركات الألمانية تشكو من أن الأوساط السياسية لا تواكب المسألة لتسريع الاستفادة من اللاجئين.

وقد أكد اتحاد الصناعات الألمانية الواسع النفوذ خلال ذروة أزمـة اللاجئـين في العـام المــاضي أن “ألمـانيـا إذا تمكنـت مـن إدخال اللاجئين سريعـا في سـوق العمـل، فإنهـا ستساعـدهم وتسـاعد نفسهـا”.

وتعد ألمانيا الوجهة الأولى والمفضلة للآلاف من المهاجرين من خارج أوروبا وداخلها، الذين يواصلون التدفق إلى أوروبا، وقد استقبلت بالفعل أكثر من مليون لاجئ منذ تفجر موجات اللجوء في عام 2015.

وتتابع المؤسسات التي تعاني من نقص اليد العـاملة، بالمـزيد من الاهتمـام، المرشحــين للحصـول على اللجـوء، وتعتبرهم هبة ثمينة في بلد يميل إلى الشيخوخة.

ويقول اتحاد أرباب العمل إن ألمانيا تحتاج إلى 140 ألف مهندس ومبرمج وتقني ويشير إلى أن قطاعات الحرف والصحة والفنادق لا تزال تبحث عن يد عاملة وأن هناك العشرات من آلاف الوظائف التي لا تزال تبحث عن موظفين.

ألا تكفي كل الأزمات الاقتصادية العالمية وموجات الهجرة لدفع الحكومات الأوروبية إلى دراسة التجربة الألمانية للخروج من أزماتها الاقتصادية وتحصين نفسها من الأزمات المستقبلية؟

10