"معجزة عكسية" قلبت غنى العراق فقرا مدقعا

بلد بالغ الثراء متنوّع الموارد قليل السكان قياسا بمقدّراته وكبر مساحته.
الخميس 2018/06/21
جيل آخر مهدد بالضياع

بغداد - تقدم تجربة العراق بعد العام 2003 نماذج بالغة التأثير في المشاعر الإنسانية من معاناة العراقيين وبؤسهم. وتشيع بين الناس قصص مأساوية عن عوائل عراقية تفككت بسبب ويلات الحروب التي لا تكاد تنتهي والتبعات الاقتصادية والاجتماعية التي تجرّها.

ويتحدّث البعض عن “معجزة عكسية” أفقرت بلدا بالغ الثراء ومتنوّع الموارد وقليل السكان قياسا بمقدّراته وكبر مساحته، وكان من الصعب تصوّر أن تؤول أحوال مواطنيه إلى ما هم عليه اليوم من فقر ومعاناة.

ويروي الشاب البغدادي حسين لـ”العرب” نموذجا عن معاناة جيله من خلال قصة جمعته مع امرأة من محافظة كركوك بشمال البلاد.

وجمعت الصدفة بين حسين الشاب المتحدّر من عائلة شيعية فقيرة والذي يعمل سائقا لسيارة أجرة كان استدان جزءا من ثمنها، مع امرأة غريبة كانت تبحث صحبة طفليها عن دار تستأجرها في أطراف بغداد.

المرأة نازحة من مدينة كركوك بعد أن قُتل زوجها الذي كان يعمل ضمن جهاز الشرطة من قبل عناصر داعش الذي قام أيضا بتفجير منزلها.

تقول المرأة إنّها اضطرت للنزوح إلى بغداد حماية لنفسها وطفليها من ملاحقة داعش، وأنّ ما شجّعها على النزوح أنّها تملك كل الوثائق اللازمة التي تمكّنها من الحصول على راتب من الدولة وتعويض مادّي عن مقتل زوجها.

يقول حسين “كنت أصغي لقصتها وأقارن بين ظروفي وظروفها. لم أكن أتصور أن هناك من هو أسوأ وضعا مني. ولكنني عندما تعرفت على تفاصيل هذه القصة المريرة شعرت أنني بخير”.

ويضيف “طلبت المرأة مني أن أساعدها في العثور على منزل للإيجار بثمن معقول فهي بحاجة إلى تقسيم ما تملكه من مال بين كلفة السكن وسد احتياجات طفليها”.

نجح حسين في استئجار منزل متواضع للمرأة بجوار بيت أسرته في حيه الشعبي بضواحي بغداد. اقترحت أم حسين على الشاب الثلاثيني الزواج من المرأة البالغة من العمر ستة وعشرين عاما.

قصص اجتماعية مؤثرة عن عائلات ممزقة بالحرب وأسر بلا عائل وشبان مضربين عن الزواج لصعوبة ظروفهم المادية

يقول إن أمثاله من الشبان لا يملكون التفكير في الزواج وهم يعيشون مصاعب الحياة في بغداد، فسيارة التاكسي التي يعمل عليها تدر مالا قليلا لا يمكن أن يرهن به مصير عائلة، كما أنه لا يملك دارا يعيش فيها بعد الزواج فدار أهله تكاد تضيق بسكانها، وفوق كل هذا فإن الفتاة سنية وهو شيعي.

ويستدرك أن الفكرة مع ذلك كانت مغرية إذ أن للمرأة النازحة من كركوك مرتبا ثابتا يغطي نفقات الإيجار ومصاريف الأطفال. أما اختلاف المذهب فعائلته لا تراه عائقا، كما أن المرأة لا تمانع.

يقول حسين “كانت الفكرة مقنعة فعلا، ولو ضيّعت هذه الفرصة، ربما لن تتاح لي فرصة أخرى كي أتزوج. لقد كان الزواج حلما بعيد المنال”. تزوج حسين من المرأة النازحة، وبعد نحو عام واحد رزق بطفلته الأولى.

يقول عندما ولدت روان، وهو اسم ابنته، قالت لي زوجتي إن تسجيلها في الدوائر الرسمية على أنها ابنتها سيؤدي إلى قطع المرتب الشهري عنها، لذلك قام بتسجيلها على أنها شقيقته، فهو السبيل الوحيد للحفاظ على المرتب. وبذلك تحولت والدة حسين إلى “أم رسمية لطفلته وفق القانون العراقي”.

يقول حسين إن زوجته تعرف العديد من النساء في كركوك والموصل اللائي لجأن إلى الأسلوب نفسه بغية المحافظة على مرتّباتهن بعد أن أعدن الزواج، فحالة روان ليست نادرة.

وأورثت الحروب التي خاضها العراق على مدار عشريات من الزمن مشاكل اجتماعية واقتصادية لا تحصى، من بينها كثرة الأيتام والأرامل وارتفاع معدّلات الفقر والبطالة، ودمار البنى التحتية والتوقّف شبه الكامل لعجلة التنمية والاعتماد الكلّي على عوائد النفط الذي عرفت أسعاره خلال السنوات الأخيرة تقلّبات كبرى.

وفاقمت تجربة الحكم التي دخلها العراق منذ سنة 2003 من الأوضاع، إذ لم تنجح في بسط الاستقرار السياسي والأمني وعمّقت الهوّة بين المكوّنات العرقية والدينية والمذهبية للبلد.

ومع هذه التجربة تحّول الفساد إلى آفة تنخر جسد الدولة وتساهم في إضعافها يوما بعد يوم. وتتحدّث دوائر مالية واقتصادية عن إهدار ما يقارب الـ700 مليار دولار فقط بين 2006 و2014 السنة التي دخل فيها العراق حالة من شبه الإفلاس المالي الكامل وغزا خلالها تنظيم داعش أكثر من ثلث مساحة البلد.

وخلّفت حرب الثلاث سنوات ضدّ التنظيم المزيد من دمار البنى التحتية والمآسي الاجتماعية التي يُتوّقع أن تتواصل آثارها لجيل كامل بفعل عدم وضوح آفاق تجاوزها مع تواصل تجربة الحكم الفاشلة ذاتها.

3