معجزة على الأرصفة

كم من الوقائع التي يعتبرها البشر حقائق قاطعة هي في أصلها تنتمي إلى عالم الأوهام؟
الاثنين 2020/11/30
الفن يقيم في الواقع ويصنعه ويفككه أيضا (لوحة لرينيه ماغريت)

قبل عقود كانت صورة إحدى لوحات البلجيكي رينيه ماغريت تُباع على الأرصفة في بغداد، وكان هناك إقبال شعبي على شرائها. لم يكن السبب جماليا.

كانت هناك حيلة فنية لم يكن الغرض منها خداع الناس العاديين، فقد ألهمت أحدا ما فكرة أن يحوّلها إلى مصدر للربح من خلال كذبة بيضاء لم تكن لتؤذي أحدا. بشيء من الطرافة حوّلت حيلة ماغريت إلى حدث واقعي أثار دهشة الملايين. لقد عثروا في أحد الشواطئ على كائن نصفه العلوي فتاة والنصف السفلي سمكة.

الفكرة السريالية بكل ما تنطوي عليه من معان عبثية أخذت طريقها إلى الواقع وصارت موضوع حديث شيّق لا يُمل امتزجت من خلاله المرويات الجماعية بالأكاذيب الشخصية. لم يكن أحد من الذين اشتروا نسخة من الصورة قد سمع بالسريالية أو ماغريت وليست هناك من مبالغة إذا ما قلت إن تلك الصورة انتشرت بين فئات لا تعرف شيئا عن الرسم.

ذلك حدث سيسّر له بابا السريالية أندريه بريتون لو أنه وقع في حياته وسمع به. لقد تحقّقت نبوءته. الفن يتدخل في صناعة الواقع ويحوّل الأوهام إلى حقائق. فكم من الوقائع التي يعتبرها البشر حقائق قاطعة هي في أصلها تنتمي إلى عالم الأوهام؟

لكل إنسان أوهامه التي تتحكّم به وبطريقة حكمه على الأشياء. وربما تغيّر البشر بقوة الأوهام التي يمكن أن يضحوا بحياتهم من أجل الدفاع عنها. في تلك المسافة الخطرة تقع صورة ماغريت التي نجح الرسام في أن يرتقي من خلال فكرتها الحلمية إلى إقناع بشر لم يفكّر فيهم بأن حلمه الذي رسمه كان حدثا واقعيا.

من المؤكّد أن الرسام السريالي لم يكن حين رسم لوحته يفكّر في الواقع ولا في ما يمكن أن تصنعه تلك اللوحة على مستوى تغيير الواقع. كان هناك محتال انزلق بالحيلة الجمالية البريئة من مستواها الفني الرفيع إلى مستوى واقعي مبتذل. كانت الكذبة الواقعية بطريقة أو بأخرى برهانا على أن الفن يقيم في الواقع بل ويمكن أن يتدخّل في صناعته.

16