معد الجبوري مسرحي وأديب مصلاوي يبخل الزمان العراقي بمثله

السبت 2017/06/03
معد الجبوري شاعر أم الربيعين الذي غادر العالم ولم يغادرها

عمان- رغم معاناته الشديدة، طوال ثلاث سنوات من احتلال تنظيم داعش الإرهابي لمدينته الموصل، فقد حال عشقه الكبير لها دون مغادرتها “باقٍ، ولا ظلّ لي إلا هواكِ/وما سواكِ للجرحِ من حضنٍ ومحتضنِ”. وكيف يفعل ذلك وهو يحمل اسمها “شاعر أم الربيعين”، ويرى أنها “درّة المدن”، فضلا عن كونه إنسانا رهيفا، حساسا، متدفقا بروح الشعر، مفعما بالحياة، مشتعلا بالرغبة والكبرياء؟

لم يمهله الموت ليرى الموصل متحررة، فرحل مهموما مغموما من هول ما جرى لها. وفي آخر مكالمة له مع أحد أصدقائه الشعراء، قبل أيام قليلة من رحيله في الأول من أبريل الماضي، قال له “قتلوا الأمنيات ولم تعد صنعاء تحلم في حلب”.

ولد معد الجبوري في الموصل عام 1946، وأنهى تعليمه الابتدائي والثانوي فيها، ثم حصل على بكالوريوس آداب وشريعة من جامعة بغداد عام 1968، وعمل بعدها في التدريس والصحافة، ومدرّسا للغة العربية في العاصمة الصومالية مقديشو بين عامي 1976-1977، وكتب مجموعة من أعذب القصائد عن تلك التجربة وشغل بعد عودته منصب مدير للنشاط المدرسي في مديرية تربية محافظة نينوى، ثم صحافيا في جريدة “القادسية” العسكرية خلال أدائه خدمة الاحتياط في الجيش، ومديرا لفرقة نينوى للتمثيل التابعة لدائرة السينما والمسرح، ومديرا للمجمع الإذاعي والتلفزيوني في نينوى. وانقطع عن العمل الوظيفي بعد الاحتلال الأميركي للعراق، ثم أحيل إلى التقاعد بطلب منه.

حصل على جائزة الدولة “الإبداع في الشعر” في العام 2001 عن مجموعته الشعرية “أوراق الماء” من وزارة الثقافة في العراق. وصدر له 13 ديوانا و4 مسرحيات شعرية، ومجموعة مسرحيات غنائية كتبها بالاشتراك مع الشاعر عبدالوهاب إسماعيل، إضافة إلى كتاب يتضمن مختارات من قصائده، وآخر يضم الأعمال الكاملة. وكان آخر دواوينه يحمل عنوان “وقت لحرائق الكلمات” نُشر عام 2014.

منصة المسرح الواسعة

أصدر أول مجموعة شعرية بعنوان “اعترافات المتهم الغائب” عام 1971، وكتب أول نص مسرحي شعري “آدابا” في العام نفسه، ثم نشره في كتاب عام 1977، تلاه بثلاثة نصوص مسرحية هي “شموكين”، “الشرارة” و”السيف والطبل”، استوحاها من الموروث الأسطوري والتاريخي للعراق القديم، وقد أُخرجت هذه النصوص مرات عديدة داخل العراق وخارجه. وهو في هذا الجانب من أوائل من كتبوا المسرحية الشعرية الحديثة في العراق، مستثمرا شخصيات أسطورية وتاريخية ذات أبعاد درامية لإسقاطها على الواقع المعاصر.

القصيدة لدى الجبوري، كما وصفها نفسه ذات مرة، تبدأ من شرارة تقدح فجأة لسبب ما، فتشعل حرائقها في كيانه، عندها يصاب بحمّى لحظات الخلق، ولا يهدأ حتى تبين ملامح الجنين، فيعمل بخزين رؤاه وتراكم خبرته على تعميق قسمات تلك الملامح، فيما يسمح للقصيدة أحيانا، بعد ولادتها، أن تطل على المتلقي بدفئها وشوائبها، ثم يدير ظهره بانتظار شرارة أخرى.

ويرى النقاد أن الجبوري شاعر شديد الخصوصية والتميز، خطابه الشعري مديني، وهو يكتب عن سيرة المكان والإنسان معا، ويقبض على تموج اللحظة الشعرية بروح وثّابة تتجلى فيها العفوية والرحابة والكثافة والعذوبة والخصب. يسحرك بقوة لغته وتماسك صوره، وقابليته على بعث الدهشة والإحساس المتدفّق بروح الشعر ولذة نكهته وفرادة تشكلاته، وقلقه الرهيف، ومطره المشتعل بالرغبة والكبرياء منذ اللحظة الأولى التي تباشر فيها -بمتعة متناهية- المغامرة بقطف ثمار قصائده.

ولزميلته الشاعرة الموصلية بشرى البستاني رأي في شعره، إذ تقول “إنه شعر زاخر بالخصب والمكابدة والرؤيا، هائم بتدفق إيقاعي، مدهش، ومتّسم بكثافة حيوية تجعل قصيدته قادرة على التشظّي من خلال تعدد الإحالة وطلاقة الدلالة”. والى شيء من هذا القبيل يذهب شاعر آخر قائلا “إن ما أبقاه قابضا على راية الشعر هو قدرته الفنية، ووعيه العميق بأهميّة الصورة وإخلاصه لها”.

يُعدّ الجبوري من أبرز كتاب المسرحية الشعرية العربية الحديثة، إلى جانب صلاح عبدالصبور وعبدالرحمن الشرقاوي ومعين بسيسو ونجيب سرور ومحمد الفيتوري. وقد نالت مسرحيته “آدابا” شهرة واسعة، وتُرجمت إلى اللغات الإسبانية والكردية والإيطالية، وهي تتناول أسطورة بابلية قديمة ملخّصها أنه على بوابة الخليج، في جنوب العراق القديم، قام الإنسان آدابا، مخلوق الآلهة، صياد السمك، بكسر أجنحة الريح الجنوبية، وانحاز إلى الطبقات الكادحة، من المُذلين والمُهانين والفقراء والعبيد، حينما دار الصراع العنيف بينهم وبين الكهنة والإقطاعيين، وأصحاب المصالح والنفوذ المادي والمعنوي.

ويحقق آدابا نصراً عظيماً بعمله هذا، مما يغضب “أنليل” إله العاصفة الذي يطرح الأمر أمام كبير الآلهة “آنو” ومجمع الآلهة الذين يقلقون من قوة آدابا ونفوذه وقيادته للناس فيعمد “آنو” إلى محاولة كسبه وشرائه، ويدله علي طريقة، لكي يصبح هو الآخر إلها، وينضم إلى مجمع الآلهة، وبذلك يتحول من كونه بشراً، يساند ثورة الفقراء، إلى إله يساند تخطيط الآلهة، في إبقاء سيطرتهم على البشرية. لكن آدابا يرفض ذلك، مفضلاً التضحية بنفسه في سبيل ثورة الإنسان، وانتصاره على جلاديه. وحين يختفي من أحداث الفعل المسرحي في نهاية المسرحية يتحول إلى وجود جماعي منظم يحقق الانتصار علي الكهنة والإقطاعيين.

في مسرحية “شموكين” طرق الجبوري موضوعا حساسا في صيغة شمولية، وبطابع فلسفي شعري. لقد أبصر برؤية فكرية-درامية الجدل الحي بين التاريخ وعصرنا الحالي، فقدم، من خلال حادثة تاريخية بسيطة، تجسيدا نابضا بالحياة للمصير المأساوي الحتمي الذي ينتظر كل انفصالي يرتبط بالعدوّ الأجنبي.

المسرحية في حقيقتها ليست صوت الشاعر “دنجر أدامو”، الذي بلغه نداء يستنهضه لكي يروي لأحفاده، بوصفه شاهدا على ما حدث، وإن لم يظهر في خضم الأحداث مشاركا لشموكين، وعرّافا تكلم وعلى لسانه جمرة، وفوق رأسه سيّاف، وإنما هي صوت الشاعر الدرامي معد الجبوري، إلى الأجيال الحالية والقادمة، لأن وراء الصمت الذي يحيط بأضراب الانفصالي “شموكين” زماننا (دما يحتج وتحت رماد الخيبة جمرا يتوقد). ومن أجل أن يسكت (أي شموكين) نبض الدم، أو يطفئ جمر الرفض فإنه لا بد أن يجعل الأرض خرابا.

الشرارة

أسقط في مسرحيته الثالثة “الشرارة”، جانبا من أحداث التاريخ العربي على الحاضر، على نحو أكثر جلاء. وقد قسمها إلى تسعة مشاهد وخمسة فضاءات هي “إيوان كسرى”، “حانة فارسية”، “مجلس النعمان”، “خيام العرب”، و”خيمة هاني بن مسعود الشيباني”، قائد العرب في معركة “ذي قار” مع الفرس.

شعر معد الجبوري يزخر بالخصب والمكابدة والرؤيا

جعل لكل فضاء دلالة ووظيفة درامية، فالمشاهد الخمسة، التي تدور أحداثها في إيوان كسرى ذي الطراز الفخم والملامح الإمبراطورية، تحيلنا إلى مدلولات معاصرة، حيث الدسائس التي يحيكها بعض الشخوص والعنجهية والحقد والاستخفاف والأطماع التوسعية لكسرى وخيانة زيد بن عدي لقومه وارتمائه في أحضان كسرى، لا يمكن إلاّ إسقاطها على حيثيات الحرب العراقية الإيرانية.

لقد صاغ الجبّوري الصراع الدرامي في المسرحية على رؤية قومية واضحة، لكنها في الوقت نفسه رؤية إنسانية، فالنعمان بن المنذر ملك الحيرة لا يجد في ذكر محاسن قومه غضاضة، ولا يرى في الحديث عن سجاياهم الخيّرة وصفو نفوسهم أمام كسرى أي إشارة للانتقاص من الفرس أو الأمم الأخرى، بينما يشيد كسرى، في رده على النعمان، بفضائل قومه الفرس بوصفهم السادة، ويثني على حكمة الهند وصناعة الصين ومدائن الروم، أما العرب فيسمّيهم “عرب الصحراء” ولا يرى ير فيهم خصلة خير.

السيف والطبل

وفي سياق دلالي/إسقاطي مقارب استوحى الجبوري أحداث مسرحيته الرابعة “السيف والطبل” من الصراع الذي كان دائرا بين الدولة العيلامية والدولة الآشورية في القرن السابع قبل الميلاد، في 15 مشهدا، موظفا إياه توظيفا دراميا للكشف عمّا يكنّه العيلاميون من حقد ومكر تجاه بلاد ما بين النهرين. فعلى حين غفلة يهاجم الملك “تيومان” جزءا صغيرا من جنوب العراق بجيش كبير، لكن الملك الآشوري يتصدّى له ويوقع به هزيمة منكرة ويقبض عليه، ويستعيد الجزء المغتصب.

هذا هو المحور الأساس الذي تقوم عليه المسرحية، وثمة محوران آخران هما محور التفكك والسلب الداخلي في بلاد عيلام، ومحور البناء والتطور والتماسك في بلاد ما بين النهرين. معد الجبوري، صديقي الذي قضيت شطرا من حياتي بصحبته في الموصل وبغداد، سيظل ساكنا في وجداني وذاكرتي. وسأكون ممتنا للزمان إن جاد على العراق بكاتب مسرحي شعري مثله من الآن حتى نهاية هذا القرن.

13