معرض يروي سيرة فلسطين جغرافيا وتاريخيا

معرض "إرث وطني" يعتبر مبادرة سلمية للوقوف أمام الاستبداد بجميع أشكاله وأمام موجة الإلغاء بثبات مُتيقظ وقلب من ذهب.
الجمعة 2019/02/01
تجهيز يجمع بين العلم والفن تأصيلا للهوية

دعا مركز “دار النمر للفن والثقافة” في العاصمة اللبنانية بيروت إلى معرض “إرث وطني ومروان رشماوي”، ويستمر المعرض مدةَ شهرين في حين يصلح لأن يكون معرضا دائما في زمن تحتاج فيه الأجيال الصاعدة إلى ما ينورها ويذكرها بماهية فلسطين جغرافيا وتاريخيا واجتماعيا وعاطفيا.

بيروت- يقيم الفنان التشكيلي الفلسطيني مروان رشماوي حاليا في مركز “دار النمر للفن والثقافة” ببيروت معرضه الخاص المُعنون بـ”إرث وطني ومروان رشماوي”، وفيه يظهر التجهيز بطلا رئيسيا للقطات ثلاثية الأبعاد لمدن وبلدات فلسطين الكبرى حوالي عام 1948.

ويُمكن اعتبار هذا المعرض امتدادا لأعمال وفكر الفنان مروان رشماوي الذي سبق أن تعامل مع الخرائط الجغرافية والبيانات المتعلقة بها بأسلوب فني/علمي يُحاكي الحقيقة بشكل رئيسي دون أن يخسر من جاذبية العرض ولا من جماليته وأبعاده الرمزية.

ويُذكر في هذا السياق أن الفنان قدم سابقا مجموعة من المعارض أوصلته منطقيا إلى إقامة معرضه الحالي في “دار النمر”، وهي معارض وجب إدراجها تحت لواء الفن المعاصر الهادف والغني، كـ”بيروت كاوتشوك” (2004ــ2006)، و”بلازون” (2016)، و”مناظر طبيعيّة” (2012). وقد استعان الفنان لتنفيذ أعماله بخرائط رسمها لاجئون فلسطينيون لمخيّمات الشتات في لبنان مثل شاتيلا ونهر البارد.

وأعمال مروان رشماوي موجودة ضمن المجموعات الفنية لتيت مودرن في لندن، ومركز بومبيدو في باريس، وجوجنهايم أبوظبي، ومؤسسة الشارقة للفنون، إضافة إلى غيرها من المجموعات الفنية المهمة، الخاصة والعامة. بالإضافة إلى ذلك حصل مروان رشماوي على جائزة بونافانتن للفن المعاصر لسنة 2018.

ويوضح القائمون على مركز “دار النمر” أن الفنان اقتبس أعماله وعنوان معرضه “إرث وطني” من كلمات جون فردريك سالمون، رئيس “لجنة مسح فلسطين” بين عامي 1933 و1938، والذي كتب “يجب التعامل مع المساحة الطبوغرافية المتقنة كإرث وطني من الطراز الأول”، ساخرا من هذه العبارة التي تبجّل المساحة والوطن معا، ولاسيما أن ما حدث لاحقا في فلسطين من تجريف للإرث والأرض والإنسان، يجعل من العبارة مفارقة ساخرة.

المعرض يكشف للزوار قصّ وتخطيط وتحوير أسماء اعتمدت عليها السياسات البريطانية، تمهيدا للاحتلال الإسرائيلي
المعرض يكشف للزوار قصّ وتخطيط وتحوير أسماء اعتمدت عليها السياسات البريطانية، تمهيدا للاحتلال الإسرائيلي

ويعود الفنان إلى سلسلة من الخرائط المفصّلة لفلسطين من فترة الانتداب البريطاني، ويستوحي منها التجهيز ثلاثي الأبعاد الذي يضمّ ثلاثين قطعة مشتقة من تلك الخرائط إلى جانب بيانات طبوغرافية من “وكالة ناسا”.

ونُفذ هذا المشروع بالتعاون مع منصة “تبيان فلسطين” التي تأسّست في العام 2012، وتسعى -وفقا للقائمين عليها- إلى تقديم سرد وقائعي حول فلسطين والفلسطينيين، يقوم على المواد الإعلامية البصرية والبيانات، بما فيها الرسوم المعلوماتية، والصور المتحركة والتجارب التفاعلية.

ويجمع المعرض الفنان الفلسطيني مروان رشماوي مع المهندس أحمد باركلي، وهو أحد أعضاء ومؤسسي منصة “تبيان فلسطين”. وباركلي مهندس معماري، ومتخصص بالتواصل البصري، ومصمم منتجات، وهو الذي يساهم بشكل فعّال في مشاريع مختلفة تتعلق بتصوير البيانات والحكاية عن طريق الصورة والتعلم من خلال اللعب.

وقام بتسيير دورات وورشات عمل مبنية على تجربته في مدن مثل بيروت وعمّان ولندن وبنغالور، كما شارك أحمد باركلي أيضا في تأسيس MyToyTown، وهو نظام لعب خشبي للأطفال قائم على التركيب.

أخذني معرض “إرث وطني ومروان رشماوي” إلى حادثة لافتة وليست بعيدة، أخذني إلى “اليوم العالمي للغة العربية”، إذ أخبرني أحد الأصدقاء أنه أثناء مشروع فني لصفوف اللغة العربية طُلب من التلاميذ في المرحلة المتوسطة، والذين يبلغ عددهم حوالي 700 تلميذ، اختيار مدينة عربية وكتابة بعض الكلمات عنها واختيار صورة لها ريثما يُصار إلى جمع كل الصور والمعلومات في مشروع فني كبير وشامل يضم كل تلاميذ المرحلة المتوسطة من التعليم.

الفكرة جميلة، أرادت أن تقوي الوصال بين اليافعين ولغتهم الأم والإرث القومي المُشترك إلى جانب ما يتمتع به لبنان ويتميز به. وبعد تقدم المشروع، أخبرتني مجموعة من الأساتذة أن لا أحد من التلاميذ اختار أي مدينة فلسطينية، وعندما سُئلوا لماذا استثنوا فلسطين كانت هاتان الإجابتان المدويتان “وهل فلسطين دولة عربية؟”، أما بعضهم فقال “أين تقع فلسطين؟”.

ما كشف عنه هذا المشروع هو خطورة الوضع الحالي وغياب الوعي تجاه ماهية فلسطين واستراتيجية النهب الباردة التي خط خرائطها -كما يفعل قراصنة المحيطات- الاحتلال البريطاني، تمهيدا لتفكيك فلسطين وتهجير أهلها وصولا إلى تغيير هويتها الثقافية والتاريخية والاجتماعية.

المعرض يضمّ مطبوعات عن سلسلة من الخرائط الأرضية تعود إلى أربعينات القرن العشرين
المعرض يضمّ مطبوعات عن سلسلة من الخرائط الأرضية تعود إلى أربعينات القرن العشرين

أهمية المعرض بالنسبة للجمهور وللناشئين واليافعين على حد السواء، تكمن في أنه يضمّ أيضا مطبوعات عن سلسلة من الخرائط الأرضية تعود إلى أربعينات القرن العشرين، وأعمالا فوتوغرافية عن فلسطين ومنها، إلى جانب الاستعانة بمنصّة “خرائط فلسطين المفتوحة” التي تستكشف خرائط من ماضي فلسطين وحاضرها.

ويتكلم المعرض بلغة العصر، وهكذا يصبح نقطة استقطاب قوية للجيل “العربي” الصاعد، فكل من زار هذا المعرض سيدرك أهميته الكبيرة وقابليته لأن يكون درسا مفصلا وجذابا في التاريخ والهوية والجغرافيا وأكثر من ذلك بكثير، فالمعرض مبني على استخدام الملبوسات التقنية، وهي من بين أحدث الأدوات التي تمكن الجمهور من المُشاركة بشكل فعال في عرض قصص مشتقة من العمل الموسّع للباحث الفلسطيني سلمان أبوستة وآخرين في توثيق القرى الفلسطينية المهجّرة في عام 1948.

وفي المعرض سيكتشف الزوار -وحبذا لو كانوا كثرا من الجيل الجديد- قصّا وتخطيطا ومحوا للأمكنة وتحويرا لأسماء اعتمدت عليها السياسات البريطانية، تمهيدا للاحتلال الإسرائيلي.

وضّح القائمون على مركز “دار النمر” أن عمل منصة “تبيان فلسطين” يدور حول “إيجاد طرق فعالة لتعليم وإشراك شريحة متنوعة من الجمهور في شأن فلسطين، فالمنتجات التي تقدمها هذه المنصة تأتي على هيئة أدوات تواصل بصري، لكن طبيعتها تختلف في بعض الأوقات لإيصال الرسالة ذاتها إلى جماهير مختلفة.

معرض من هذا النوع هو مقاومة رائعة للنسيان وتبيان للحقائق قد يسعى الكثيرون إلى طمسها، وهو مبادرة سلمية للوقوف أمام الاستبداد بجميع أشكاله وأمام موجة الإلغاء بثبات مُتيقظ وقلب من ذهب.

17