معرض أشكال هندسية إيطالية بالأسود والأبيض

رواق “ألبرتا بان” في باريس يحتفي بأعمال الفنانة الإيطالية إستر ستوكر.
الاثنين 2020/02/17
أعمال فنية تستلهم عالم الهندسة

يحتفي رواق “ألبرتا بان” بباريس بالفنانة الإيطالية إستر ستوكر، التي تخصّصت في إنجاز اللوحات الجدارية وتأثيث الأفضية بأشكال هندسية باللونين الأسود والأبيض، والمزج بين عناصر ذات أحجام بيّنة، وأخرى مشوّهة، لتؤكد أن المكتمل يمكن أن يشوبه نقص.

حتى منتصف شهر مارس القادم، تقيم الفنانة الإيطالية إستر ستوكر معرضا فنيا بعنوان “المحبة الناقصة” برواق “ألبرتا بان” الباريسي، وتؤثث فضاءه مثلما اعتادت في معارضها عبر العالم بأعمال فنية تتراوح بين التنصيب والنحت.

بعد دراسة الفنون في فيينا وميلانو وكاليفورنيا، استفادت إستر ستوكر من فناني التجريدية، تلك التي بسّطتها حركة التقليلية وكرّسها أنصار الأوب آرت، خاصة مجموعة البحث في الفن البصري بفرنسا، وغروبو تي بإيطاليا، ما جعلها سليلة إرث مزدوج؛ الحداثة وبدايات الفن المعاصر.

وستوكر لا تنكر هذا التقليد، بل تتبناه وتستحضر عدة أعمال من تينك الحركتين. نلمس ذلك مثلا في عملها الذي عرضته في الجمعية الألمانية للفنون ببرلين وعنوانه “كل الاتجاهات في الفضاء متساوية إذا ما نظرنا إليها هندسيا”، فقد كان إشارة إلى البيت ذي المربعات الذي استهلّه جان بيير رينو عام 1969.

كذلك لوحتها التي لا تحمل عنوانا، والمكوَّنة من شبكتين متعامدتين، فقد عدّها النقاد امتدادا لأعمال فرانسوا موريلّي الذي طوّر مبدأ الصّفيفة المزدوجة في نهاية الخمسينات، بل إن إحدى صورها الشمسية المعروضة على الألمنيوم تحيل على البنى القابلة للتجزئة التي درج عليها صول لوويت منذ مطلع الستينات.

ورغم أنها أخذت من سابقيها ذلك التصوّر في الرسم والتنصيب، فإنها تُخضعه إلى لغة خاصة تنحصر في اللونين الأسود والأبيض، واستعمال وسيط واحد في كل مشروع.

بيد أن الجمالية المشتركة في مجمل شبكاتها لا ترتبط فقد بالطراز الأملس والألوان المحايدة التي تستعملها، بل إنها تسعى إلى المضيّ أبعد من ذلك لتصف التباس المنظومة عدم وثوقها، كما تقول ستوكر نفسها عن لوحاتها ومنحوتاتها. فهي، كسائر فناني جيلها، تسعى للوصول إلى التليين البصري للشكل.

ومنذ 2012 صارت أعمالها على الألمنيوم التي أطلقت عليها “درجات الحرية” عبارة عن شبكات مدعوكة كنسيج مكمّش، لتضفي هشاشة على صرامة البنية. ولكن التفكيك يسيرُ مسارا عكسيا، كما في “الهندسة القذرة” التي أنجزتها قبل عام في الرواق نفسه، إذ ناب عن الرقة نوع من العنف في التعامل مع العناصر، حيث الخطوط تغادر صفحة الجدار لتكوّن حِرابا موجهة نحو المتفرج.

عالم إستر ستوكر يعتبر امتدادا لطبيعة الشبكات الأكثر تجريدية لجهة غياب اللون واللمسة

هذا التباين في الشبكة يتجلى أيضا في لوحات الأكريليك على القماشة، ومنحوتات الألمنيوم، كما أن القطيعة مع المنظومة تتبدى في العلاقة بين اللوحات والمنحوتات التي تشكل ما يمكن تسميته بـ”ما قبل وما بعد”.

ويتجسم الما قبل في الشبكة وهي مرسومة على قماشة معلقة على جدار في مستوى الرؤية؛ وما بعد يتراءى في الشبكة وهي مقتلعة من محملها، مدعوكة، مكوّرة مثل كبة، ملقاة في ركن من الحجرة، وفي أحسن الأحوال معلّقة في السقف، لترسم عالما تزول فيه القوانين العلمية، ولاسيما قانون الجاذبية.

بهذا المعرض الذي يلغي سلطة المعيار التي تنظم الشكل الحديث، ذلك الذي قال عنه مؤرخ الفن إريك شاسّي إنه يشكّل أداة تحييد ووسيلة سيطرة، تلتحق إستر ستوكر بمشاغل عدد من الفنانين المعاصرين الذين يستهويهم هذا الشكل.

نذكر على سبيل المثال، مساعي ماتيو ميرسيي ويان سيراندور، حين اتخذا بنى موندريان لتهيئة أشياء لدى الأول وصورٍ لدى الثاني. وحتى لوحة موندريان لسيلفي فلوري، إذ ركزت على العلاقة التي يقيمها هذا الشكل مع عالم النسيج المبتذل. تلك الأعمال، بطرحها خطوطا مرنة كخطوط نسيج، أو قطع فرو حقيقية، تقدّم حضور المادة على تجريدية الشكل.

ولئن كان الفنانون الآنف ذكرهم يَنقُضون سلطة الشبكة بالانخراط في إرث مفهومي، فإن طريقة إستر ستوكر تشكيلية صِرف. وهي بهذا المعنى تلتقي بمسعى النمساوي هايمو زوبرنينغ الذي يلغي بدوره الطبيعة المثالية للشبكة بطرق من صميم الرسم الزيتي، حيث يدرج فروقا بين المستويات، أو يخلق تدرجات لونية داخل الشكل الخالص.

ولكن خلافا للأصباغ الحمضية وآثار الفرش لدى الفنان النمساوي، يعتبر عالم إستر ستوكر امتدادا لطبيعة الشبكات الأكثر تجريدية من جهة غياب اللون واللمسة. ولئن كانت الفنانة الإيطالية تستحضر هذا الشكل في حياتنا اليومية، فليس بغرض إعطائه مظاهر مادية كالإيحاء بالبعد الثالث، أو تقليد النسيج، وإنما لتحميله آثار الحركات التي تمارس في الواقع. فالشبكة، إذ تُدعك وتُرمى وتُهمَل، تَفقد مكانتها لدى من اهتمت أساسا بالأثاث المنزلي.

إن ما يميز إستر ستوكر أن أعمالها تستحوذ على الفضاء برمّته وتغطي كل مساحاته، لتشكل مجموعة متجانسة من الخطوط والشبكات السوداء والبيضاء. تلك الأعمال تتوسّل بالتتابع الخطي والتنظيم الظاهر الذي يهيمن على الموتيفات الهندسية المتكررة، لتعميق تساؤلنا عن الوهم الذي يقود إدراكنا.

16