معرض أنتويرب للكتاب في بلجيكا يحتفي بالثقافة العربية

تسبق حضور المثقف العربي في الفضاءات الأوروبية صورته النمطية الراسخة في ذهنية المتلقي الأوروبي والذي أضاف إلى جانب عوالم سحر الشرق العجيبة، ثيمات الحرب والنزاعات العرقية والطائفية وقصص اللجوء الإنساني، فما يظهر بين الشرق والغرب من اختلافات ثقافية هو بصورة أو بأخرى أماكن ولادة الجمال في كلا الثقافتين. ولكن تظهر تجارب متنوعة يكون فضاؤها الأدبي أوسع وأرحب للمتلقي والمبدع في آن معا، ومن هذه المشاريع ما يقوم به نادي القلم في إقليم الفلاندر بالمملكة البلجيكية.
السبت 2016/11/05
نادي القلم يحاول فتح آفاق التشارك بين الثقافة العربية والهولندية

ضمن فعاليات معرض أنتويرب للكتاب في أرض المعارض “إكسبو”، في عاصمة الإقليم الفلاماني بالمملكة البلجيكية، أعلن نادي القلم الفالاماني عن إصداره الجديد الخاص بمجموعة من الكتاب العرب المقيمين في المملكة ذات الأقاليم المتعددة.

على الضفة الأخرى من التصوّر “أو الرغبة”، هكذا جاء عنوان الكتاب، الذي امتد على 90 صفحة وصدر عن منشورات “b” بالتعاون مع نادي القلم، وضمّ بين دفتيه نصوصا مترجمة في الشعر والرواية والقصة من العربية إلى الهولندية، حيث كانت النصوص من الجانب العربي بتوقيع كل من، المسرحي العراقي حازم كمال الدين، والشاعر العراقي ماجد المطرود، والشاعر والقاص العراقي زهير الجبوري، والشاعر السوداني الهادي عجب الدور، والشاعر العراقي عدنان عادل، والكاتبة الفلسطينية نسمة العكلوك، إضافة إلى الروائي السوري عبدالله مكسور، لتقابلها نصوص بالهولندية لكُتَّاب بلجيكيين كانت بتوقيع كل من، الكاتب بيتر تيرين، والشاعر ديلفين ليكومبي، والكاتب ديمتري يونتينكيل، والشاعرة أنماري استر، والشاعر بيتر ثيونينك، إضافة إلى هيلدا كيتلير، ويوست فانديكاستيل”.

بين ثقافتين

يأتي هذا المشروع الأول من نوعه في الثقافة البلجيكية ضمن خطوات مشروع نادي القلم الفلاماني الذي يعنى بالكتاب العرب خارج المؤسسات الرسمية، حيث يقوم هذا المشروع على تقديم كتاب وشعراء عرب مقيمين في الأقاليم البلجيكية بصورة نتاجهم الأدبي الإنساني، سواء كان شعرا أو سردا بعد ترجمة مساحات واسعة من ذلك الإنتاج إلى اللغة الهولندية الرسمية في إقليم الفلاندر.

كتاب جديد صدر ببلجيكا ينقل فيه كتاب بلجيكيون التصورات الإنسانية العربية من وجهة نظر أوروبية

وقد سبقت هذا الكتاب، مجموعة أخرى صدرت عن نادي القلم بالتعاون مع أنتويرب مدينة الكتاب، بعنوان “أماكن وكلمات”، الذي أقيمت فعالياته على مدار الموسم الثقافي الماضي في مسرح توتي فراتيلي بأنتوريب، ومركز باسابورتا الثقافي في بروكسل، ومركز بوزار الثقافي في بروكسل، ومسرح فور أويت في خينت.

وعن هذا المشروع قالت يوكا فان لايوين، رئيسة نادي القلم الفلاماني وشاعرة الأراضي الخفيضة بحسب الثقافة البلجيكية والهولندية، إن هذه الخطوة تأتي في سياق جهود نادي القلم لترسيخ الحوار الحضاري والإطِّلاع على ثقافات مغايرة، من خلال خلق فضاء تشاركي إبداعي بين كُتَّاب ينتمون إلى ثقافتين مختلفتين، حيث تتركز أهميته في أنّه الأول من نوعه الذي يتضمن إلى جانب النصوص الإبداعية، تجارب إنسانية متميزة تحمل في طياتها قصصا مختلفة بصورة الكُتَّاب الذين وصلوا بطرق شتى إلى القارة الأوروبية. وتضيف يوكا أنَه من الأهمية بمكان نقل مخزون قصصي أو شعري يتناول هذه الجوانب المتعددة من الشرق إلى الغرب.

ومن جهته قال الناشر ليو بيرار، مدير دار “b” للنشر “إن قراره نشر هذا الإصدار جاء مع اتجاهه نحو نقل نتاج عالمي إلى الثقافة البلجيكية باللغة الهولندية، فقد سبق له أن ترجم أعمالا إبداعية من أميركا اللاتينية والقارة الأفريقية والوطن العربي، وهذا الاشتغال يأتي في صميم رسالة دار النشر التي يديرها، فالقارئ الأوروبي اليوم تستوقفه وتستهويه في آن معا تلك العوالم التي ارتبطت بشكل أو بآخر بتاريخ الجغرافيا في هذه القارة”. ويتحدث بيرار هنا عن فضاءات الاضطهاد والحروب، فنقل هذه الصورة التي تحدث في بلاد أخرى عبر الأدب الذي يمنح المصداقية لناقله باعتبار ذلك مشاهدات حية تصل إلى المتلقي الآخر عبر الترجمة.

مساحات جديدة

أنماري أستر، الشاعرة الهولندية وأستاذة الأدب، قالت إن النص العربي الذي قامت بكتابة معارضة عنه استوقفها لما يتضمنه من أبعاد متنوعة تضيف للمتلقي الأوروبي مساحات جديدة للتفكير حول الثقافة العربية، خاصة في ظل القناعة الموجودة بأنَّه من الصعب على الغرب أن يفهم الشرق والعكس صحيح.

نصوص مترجمة في الشعر والرواية والقصة من العربية إلى الهولندية

وأضافت أستر، التي تدرس اللغة العربية منذ سنوات، أنه عند الشروع في كتابة معارضة لنص عربي سواء كان سردا أو شعرا، تطالعنا ثنائية وهي آلية التعاطي مع المواقف انطلاقا من العقلية أو الذهنية الأوروبية والعربية والفروقات بينهما، فهذا الكتاب يضع الكاتب الأوروبي في مواجهة حقيقية مع مواقف عالجها الكاتب العربي ارتكازا على فضاءاته الثقافية والاجتماعية وغيرها”، وهنا يكمن التحدي والمتعة في وقت واحد بحسب أستر وهذا ما تضمنه الكتاب الجديد.

الكاتب ديمتري يونتينكيل، الذي كتَب معارضة لنص “طريق الآلام” الذي يتحدث في فضاءاته عن الثورة السورية وانعكاساتها على الواقع الاجتماعي وأزمة اللجوء الناتجة عنها، قال إنه عندما شرع في الكتابة قام بخطوة أولى تتعلق بالبحث عن أبعاد ذلك النص كما وصله بالهولندية، ففهم الأرضية التي انطلق منها الكاتب والمترجم بما يتيح للكاتب الأوروبي الولوج إلى لب النص وبالتالي ينعكس ذلك على النص الجديد.

فالمعارضة هنا لا تأتي في ذات السياق مع النص الأصلي وإنما ترتكز على الثيمة التي يعالجها الكاتب الأوروبي من وجهة نظره، فليس بالضرورة أن يحمل النص الهولندي ذات المقولات التي يحملها النص العربي، ومن هنا اتجه ديمتري للكتابة عن أجواء الحرب العالمية الأولى من خلال علاقات أنثوية ضمن بنية المجتمع البلجيكي في ذلك الوقت، فالموت والحب وجولات الحرب هي الثيمة الطاغية التي واجهته، وفي سبيل خلق أجواء مشابهة لتداول تلك الثيمات في المجتمع الأوروبي كان اللجوء إلى فترة الحرب العالمية باعتبارها مسرحا حاضنا لتلك الأحداث.

ومن أبرز الأعمال التي ظهرت باللغة الهولندية للمشاركين من الكتاب العرب، “جسدٌ مسمَّد بالترقُّب” لعدنان عادل، و”تقرير مطوَّل” لحازم كمال الدين، و”غزة داخل الترام” لنسمة العكلوك، و”الببغاء البلدي” للهادي عجب الدور، و”جنازة آخر المحاربين” لزهير الجبوري، إضافة إلى “الليلة الفائتة” لماجد المطرود، و”طريق الآلام” لعبدالله مكسور.

16