معرض "أوبونتو.. كمان وكمان".. الوجوه تفضح زيف العالم

انطلاقة ساخنة للموسم التشكيلي الصيفي في القاهرة بعد طول انتظار.
الاثنين 2020/08/03
منحنيات الخطر (لوحة للفنان أحمد عبدالله)

لم تكن المعارض الافتراضية التي انتشرت في فترات الحظر والعزل الاجتماعي طوال الفترة الماضية لتشبع طموح الفنانين وترضي ذائقة النقّاد والجمهور، ذلك أن الأعمال التشكيلية؛ لاسيما المجسّمة والنحتية والجدارية الكبيرة والمركّبة؛ هي تكوينات بصرية لا تكتمل أبعادها ورسائلها وتأثيراتها إلاّ من خلال علاقتها بالفراغ المحيط بها، والمكان الذي تُعرض فيه. وبالتالي فإنها تخسر جمالياتها بالعرض الإلكتروني التخيّلي، الذي يتعذّر فيه كذلك الاطلاع على طبيعة الخامات المستخدمة وتلمّس معطياتها وأسرارها.

القاهرة - للعصر الراهن وجوه شتى ذات صبغة بشرية في الكثير من تمثلاتها وانعكاساتها واحتمالاتها، وتلك الوجوه الاعتبارية والآدمية هي أبرز الثيمات التي تقصّدها تشكيليون مصريون من أجيال مختلفة في معرضهم الجماعي الذي يستمر على مدار أشهر الصيف في غاليري “أوبونتو” بالقاهرة، وبه استعادت الحركة الفنية حضورها المتوهّج وتواصلها مع المتلقي على أرض الواقع بعد طول إغلاق وتوقّف بسبب جائحة كورونا.

وجاء معرض “أوبونتو.. كمان وكمان” بمثابة ملتقى احتفالي للعشرات من الفنانين الذين حرصوا على التواصل من جديد والمشاركة الفاعلة بأحدث إبداعاتهم، لإضاءة المشهد التشكيلي المصري المعاصر بإشعاعات كاشفة.

وترواحت أعمال المعرض بين التصوير والرسم والنحت والخزف، وأبرزت تنوّعا ملموسا في الاتجاهات والأخيلة وطرائق التعبير وآلياته. واللافت، أن هذا التنوّع قد برهن عن الاتساق والتوافق بالمعنى الخصب بين الشهود على المرحلة الواحدة أكثر من دلالته على التباعد والتنافر بينهم، فعلى الرغم من التباينات الفردية والتمايزات التكنيكية، ومن عدم وجود ثيمة متّفق عليها بين الفنانين، فإن شركاء المعرض الجماعي قد التفّوا دون قصد حول مضامين ومقترحات وأفكار بدت غير بعيدة الصلة عن بعضها البعض.

ومن أوضح هذه المحاور، علاقة الإنسان المعدّل بالعالم التقني المتطوّر، التي بلغتْ بهما حد التماهي معا والتطابق في الملامح الظاهرية وفي الخسارة الداخلية والخواء، إلى الدرجة التي أمكن عندها اعتبار الإنسان اللاهث صورة من عصره المتسارع، واعتبار وجوه العصر الحديث مرايا حيّة لكل ما هو حيوي، خصوصا ما هو بشري.

أشباح متراقصة

أنثى الضباب والقيود (لوحة للفنانة سارة السمان)
أنثى الضباب والقيود (لوحة للفنانة سارة السمان)

على امتداد أروقة المعرض، تجاورت لوحات مجموعة من الفنانين المتميزين، من بينهم: طارق الشيخ، أحمد عبدالله، وائل درويش، والسوداني المولد معتز الإمام، وفي أعمالهم التي اقتنصت الوجوه في شحوبها وفزعها، تجلت المفارقة بين توحّش الهيكل وشيخوخة الروح، ووجود آلة الإبصار مع غياب البصيرة الهادية، في كون بدايته هي الذاكرة المفقودة، ونهايته هي المتاهة.

وفي مثل هذه اللحظة المنفتحة على الأدخنة والسراب، تراقصت الأشباح مزهوة بتسيّدها البر والبحر والجوّ، كما في لوحات الفنان سعيد أبورية، وتسرّبت الآمال في شقوق الأرض مع الأمطار المهدرة.

ولم تخْلُ الحالة من سخرية، فمن خلال شخصية الأراجوز والإرث الشعبي المصري، كما عند الفنان طارق الشيخ، تعمّق الوجه الباكي/ الضاحك في طبقات الأوجاع، وشفّ عن المشاعر الداخلية الناطقة بالجوهر الذي عجز عن توصيفه اللسان، كما تحاورت الألوان الداكنة في سيمفونية الضربات النفسية المجرّدة، كما عند الفنان معتز الإمام، ودقت الأجراس بقوة معلنة حلول أعلى معدلات الخطر، في تجربة الفنان أحمد عبدالله.

وفي سياق مشابه صوّرت الفنانة سارة السمان وجوهها النسوية عادة بألوان الضباب، فالقسمات ممحوّة التفاصيل، والإنسان والعالم مقيّدا الأيدي والأرجل، خفيفان تماما في حضورهما الزائل، وفي زوالهما الحاضر.

الوجه الأنثوي ذاته، في أعمال الفنان عمر جبر، هو ذلك الباحث عن السلام في عالم وجهه مقنّع بخوذة الحرب، فيما ضمائر القنّاصة في كل حدب وصوب تواصل التلوّث بدماء الأبرياء من الضحايا والمغدورين.

البدائية والتجسيم

بتقنيات الغرافيك، غزل الفنان منتصر الخراشي رؤيته البصرية حول تمزّق العالم وتحلّل أوصاله مع تفكّك الأعضاء البشرية، وإن كان الفضاء لا يزال يترقّب في أحلامه المستحيلة طيور الأمل المحلقة.

وفي اتجاه آخر، مضى بعض الفنانين صوب وجه الإنسان الصلصالي الأول المفقود، ونحو صورة العالم البدائي أو الطفولي المنقرض، سواء من خلال استحضار النقوش والرموز والجداريات القديمة البسيطة بألوانها الطبيعية وتفاصيلها المليئة بالكائنات المقرّبة من الإنسان، من طيور وحيوانات، كما لدى الفنانة دينا عبدالنبي، أو من خلال هندسة الخطوط والتصاميم الغرافيكية لاختزال الكائن الآدمي إلى إحداثياته الأولية كما لدى الفنانة فرح الشافعي.

علاقة الكائن الآدمي المعدّل بالعالم المصنوع بلغتْ حد التماهي والتطابق في الملمح التقني الظاهري والخواء الداخلي

ولجأت الفنانة سحر الأمير إلى التجريد في قراءتها للصورة الإنسانية والكونية الهشّة التي ترجوها، وقدّم الفنان صلاح بيصار طفولة البشر وطفولة العالم بألعابه البريئة وأراجيحه اللونية المنشودة. وبنى الفنان محمد بسيوني وجودا موازيا، ناصع الوجه، مفعما بالألوان الزاهية المشرقة، يكتفي بما هو أليف وحيوي وطازج، ويستبعد الشرور والآفات.

وفي أعمالهم المجسّمة، قدّم النحّاتون حليم يعقوب وخالد زكي وسيدة خليل وأمجد التهامي مجموعة من إبداعاتهم الجديدة، وفيها اتسعت فكرة التماهي بين الإنسان والعصر لتشمل التطابق في الهيئة بأكملها وليس فقط تشابه الوجوه، فالكائن البشري، ذو الحجم الطبيعي أو الأسطوري، بتموجاته ومنحنياته، يبدو على المستوى الظاهري في وضعية امتلاء وامتداد ونفوذ، لكن ما يشفّ عنه السطح الخارجي البارد هو جحيم منصهر، ومشاعر وآمال محمومة على أهبة الانفجار.

استخدم النحّاتون خامات البرونز والحديد والخزف والخشب والمواد الطيّعة لتوليد ديناميكية وسيولة في الأجساد المتماوجة المتمرّدة على ما وصلت إليه من جمود وتحنيط، فبدت المجسّمات المتجاورة في حالة حركة انسيابية، وكأنما تؤدّي رقصات دائرية وتوافقية مع بعضها البعض، أملا في مغادرة الأرض والصعود إلى السماء، لبلوغ هدف طال انتظاره، هو العثور على الذات المتبدّدة في عصر الزيف والأوهام.

17