معرض استرجاعي في باريس: التجريد حد الاكتئاب

متحف الفن المعاصر في العاصمة الفرنسيّة يقيم معرضاً استرجاعياً لهانز هارتونغ يحوي أكثر من 300 عمل تتنوع بين اللوحات والمنحوتات والصور الفوتوغرافيّة.
الأحد 2019/12/22
خطوط اللغة بأشكالها المجردة

باريس - كان الغيستابو يلاحق الفنان الألماني هانز هارتونغ  (1904 – 1989) بسبب انضمامه لتنظيم معاد لهتلر، ما اضطره للهرب إلى فرنسا، التي سكنها لاجئاً وتم تقليده فيها وسام الفروسيّة عام 1939، إلا أن رجال الشرطة الفرنسيّة المتعاونة مع النازيّة ألقوا القبض عليه، ووضعوه في غرفة حمراء بعد أن علموا أنه رسام، وذلك للتأثير على بصره، وتهديد قدرته على الرسم. هذه الحادثة ليست إلا واحدة من سلسة من الحكايات التي تحيط بهارتونغ، الجندي، الرحالة، الناشط السياسيّ والفنان الذي عمل بين ألمانيا وفرنسا، وفقد قدمه وأًصيب بالاكتئاب، لكنه ألهم جيلاً كاملاً من الفنانين في أوروبا والولايات المتحدة الذين يرون فيه رائد التجريديّة التي انتشرت في النصف الثاني من القرن العشرين.

يقيم متحف الفن المعاصر في العاصمة الفرنسيّة باريس معرضاً استرجاعياً لهانز هارتونغ يحوي أكثر من 300 عمل تتنوع بين اللوحات والمنحوتات والصور الفوتوغرافيّة، نكتشف عبرها التقنيات المتنوعة التي استخدمها هارتونغ عبر مسيرته الفنيّة، واختبر فيها أساليب مختلفة لتشكيل اللوحة الواحدة، موظفاً أدوات لا تنتمي عادة لفن التشكيل كالأخشاب والمكانس المنزليّة، وسبب ذلك ظروفه الاقتصادية وأسفاره المتعددة، ليأتي المعرض المعنون بـ”La fabrique du geste” صدى للمعرض الذي أقيم احتفاء به عام 1969 في ذات المتحف.

قلق البدايات

يُقسم المعرض حسب سنوات نشاط هارتونغ، ونكتشف في كل واحدة منها الأساليب التي اتبعها لـ”التجريد”، ويمكن القول إن رهانه كان دوماً على عناصر تتجاوز الشكل والتكوين المألوف نحو أخرى تقوم على الإيقاع والتكرار والملمس، وهذا ما نراه في القسم الأول من المعرض الذي يحوي أعمالا أنجزها هارتونغ بين عشرينات وثلاثينات القرن الماضي حين كان طالباً، أبرزها مجموعة من اللوحات بعنوان “بقع” كان يختبر فيها قدرته على “التجريد” مُستعيداً أطياف “المعلمين” كسيزان وغويا وفان غوخ، إذ اعتمد على ألوان مائيّة بسيطة لكنه ركز على إنتاج عدة لوحات، مُحرراً نفسه من سطوة اللوحة الواحدة، في ذات الوقت نراه يحاول إيجاد توازن بين الخطوط والكتل المائعة والعلامات الواضحة لتبدو مكونات اللوحة وكأنها تطفو وفي ذات الوقت هي متوازنة وكأنّها مشدودة بحبال خفيّة.

صدمة الحرب

 

لم تسمح الحرب العالميّة الثانيّة لهارتونغ بأن ينتج الكثير من الأعمال، خصوصاً أنه واجه العديد من الصعوبات الماليّة، لكن ما يشهد على نشاطه في تلك المرحلة هو مجموعة من البروتريهات المستوحاة من النحات خوليو غونزالز ومن غارنيكا بيكاسو، فالعنف الذي شهدته تلك الحقبة هدده شخصياً، خصوصاً أن تعرض للاعتقال حين عاد إلى فرنسا وفقد قدمه اليسرى، لكن بعد خروجه من السجن أصبح أسلوبه أقرب إلى الكاليغرافي، خطوط مستوحاة من الكتابة، لتبدو مكونات لوحاته أشبه بكلمات على أسطح ملونة، وكأنه يراهن على الانطباع الذي تتركه الأشكال، أو بما يمكن تسميته “التجريديّة الغنائيّة”، كما أن العطب الجسدي الذي أصابه أثر على حجم اللوحات التي ينتجها التي أصبحت أصغر وأكثر حدّة وتوتّراً.

تجارب الستينات

شكلت الستينات تغيراً عميقا في أسلوب هارتونغ إذ لجأ إلى ألوان الباستيل والرسم على الورق، وأصبحت ضرباته على اللوحة أسرع، وأشد عصبيّة إن جاز القول، ما دفعه لاستخدام وسائط مختلفة للتلوين كعلب البخ وماكينات ضخ الألوان بالهواء، وكأنه يحاول دوماً أن يغير أسلوب “لمسه للوحة”، فعلاقته مع كل واحدة من أعماله عضوية أي تعكس الحالة الجسديّة والنفسيّة التي يختبرها لإنتاج الخطوط والألوان، وكأن كل لمسة، تفتح فضاء نفسياً وتخلق حساً جمالياً مختلفاً، لا تكفي الأدوات التقليديّة للوصول إليه.

يقول هارتونغ إن هناك عدة عناصر يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار لفهم لوحاته، أولها هو زمن تنفيذ اللوحة، وزمن الإحساس بها من قبل المشاهد، إلى جانب التسارع، والبطء والإيقاع، خصوصاً في اللوحات التي تحوي “بقعاً” كبيرة، والتي يتكثف فيها “الفعل”، فهارتونغ يحاول عبر التجريد أن يتلمس قدرة الخطوط والبقع على تكوين الأشكال، وكأنه يبحث في عناصر الواقع الجوهرية ويدرس أثر الزمن فيها، وكيفية انعكاس ذلك عليه جسدياً كفنان يختبر العالم وتدفق الزمن ضمنه.

سطوة البوب آرت

الجزء الأخير من المعرض بعنوان “اللمسات الحرّة” يغطي السنوات العشرين الأخيرة من نشاط هارتونغ والتي برزت خلالها آثار البوب آرت ضمن أعماله، إذ أصبحت ألوانه أشد سطوعا.

 كما أعاد اكتشاف تقنياته وغيّر الأدوات التي يستخدمها إذ وظف مثلاً المكانس في لوحاته الأكبر، كما بدأ يعمل في مشغلين أحدهما في الهواء الطلق والآخر مغلق، محاطاً بمساعدين وأصدقاء، وهذا ما نراه في لوحة “T1973-E12” التي أنجزها في السبعينات مستوحياً من بيت مودريات.

لم تسمح الحرب العالميّة الثانيّة لهارتونغ بأن ينتج الكثير من الأعمال، لكن ما يشهد على نشاطه في تلك المرحلة هو البروتريهات المستوحاة من النحات غونزالز ومن غارنيكا بيكاسو، فالعنف الذي شهدته تلك الحقبة هدده شخصياً إذ تعرض للاعتقال

 لكن الاختلاف أن هارتونغ يتحرر من صرامة الخطوط وسماكة الألوان تاركاً مكونات اللوحة تطفو وتتداخل ضمن إيقاع ما، ويصف هارتونغ أسلوب عمله في تلك الفترة بقوله “أبحث دوماً عن قانون، قاعدة ذهبية، خيمياء للإيقاع والحركات والألوان، أسلوب لتحويل فوضى ظاهرة إلى نظام حركة متكامل، أسعى لخلق النظام في اللانظام، أو خلق النظام عبر الفوضى».

نتلمس في المعرض النزعة المبكرة للرسم لدى هارتونغ، والتي تتجلى في الرسومات التي أنجزها حين كان صغيراً والتي كان أبوه يراقبه وهو ينجزها باندهاش، فالواحدة منها أشبه بتسارع عاطفي أو رؤية من نوع ما.

 ذات الأمر نراه في التسجيلات الأرشيفيّة التي يرسم فيها خطوطه بسرعة وإتقان، وكأن هناك أشكالا في رأسه يحاول ترجمتها في اللوحة، كتلك التي أنجزها في الستينات، إذ كان ينتج بداية المساحات اللونية، ثم يكون خطوطه ضمنها، وكأن هذه المساحة بوابة نحو عوالمه العصابيّة المليئة بصورة الحرب وتسارعها.

وهذا ما يعيدنا إلى “البقع” التي تشترك بها كافة أعماله، فالبقعة مساحة تعبيرية يقوم هو فقط بالإشارة نحوها تاركاً لها حرية التحول، ساعياً لتجاوز مفاهيم تشكيل الجسد وتفاصيله، وباحثاً في لوحات وتخطيطات المعلمين كسيزان ورامبرات عن الخطوط التجريديّة ليقتبسها ويعيد إنتاجها.

13