معرض استعادي يكشف العالم الخفي في أعمال صبري منصور

استضافت قاعة “إبداع للفنون” في القاهرة مؤخرا معرضا استيعاديا لأعمال الفنان صبري منصور، وهو فنان ينتمي إلى شريحة من المصورين المصريين ساهمت في البحث عبر تجاربها الإبداعية عن فن مصري خالص يستمد روحه وكيانه من طبيعة الثقافة المصرية والعربية، وتعد تجربته التصويرية واحدة من هذه التجارب الملهمة التي احتفظت لنفسها بالتميز بين هذه التجارب على مستوى البحث والتناول الفني.
الجمعة 2016/08/05
تعايش فريد بين البشر والجن والأطياف النورانية

في أعمال الفنان المصري صبري منصور هناك جوانب عدة تميز تجربته التصويرية، من اهتمامه بتصوير القرية وميله إلى نوع من الرمزية إلى اختياره لمفرداته وعناصره، وكذلك استحضاره للمفردات التاريخية والشعبية، غير أن ميله إلى تضمين أعماله بالرموز المرتبطة بالأساطير والمرويات الشعبية هو أحد أكثر الأمور لفتا للانتباه في هذه التجربة الممتدة منذ منتصف الستينات من القرن الماضي.

المتأمل في أعمال صبري منصور سيكتشف أثر هذه العوالم خفية في أعماله، والتي يهيئنا الفنان لتقبلها بداية من تجاربه المبكرة مع اللوحة والمرتبطة في الغالب بحياة القرية، ففي حياة القرى تفعل جلسات السمر الليلي أثرها في انتقال الموروث من جيل إلى جيل، ومن طريق الحكي تعرّف الفنان على ذلك العالم الخفي المليء بالجنيات والنساء الهائمات في الليالي المقمرة.

وعادة ما ترتبط هذه الحكايات برابط ما مع المعتقدات الدينية وحكمة الخالق من وجود هذه الكائنات كما يصورها لنا الموروث الشعبي، يلعب الحس الشعبي دوره في تصنيف هذه الكائنات إلى طيبة وشريرة، وتبدو هذه الحكايات المروية أحيانا أشبه بالنصوص الأدبية التي تنتقل شفاهة من جيل إلى جيل، مؤكدة على وجود عالم غيبي غير مرئي مواز لعالمنا.

أكثر ما في هذا العالم من عبقرية أنه يحمل بين طياته كل الآثار المباشرة التي ترسبت من الثقافات العابرة، وهو وسيلة كان يلجأ إليها الناس دائما لتفسير الظواهر والحياة والوجود وإقرار العادات وحفظ المقدسات.

العالم الخفي هو بذرة الأسطورة ووقودها الذي ابتكرته البشرية منذ الآلاف من السنين، والعالم الخفي هو عالم مواز لعالمنا له قوانينه وطبيعته الخاصة، في ذلك العالم الموازي تسكن الجنيات والملائكة وتترك أثرا على العالم الواقعي، والجنية في أغلب الأحيان هي امرأة طيبة أو شريرة تشتبك أحيانا مع عالم البشر عبر أساليب وطرق عدة.

العالم الخفي هو بذرة الأسطورة ووقودها الذي ابتكرته البشرية منذ الآلاف من السنين، وهو ما رسمه منصور طوال مشواره الفني

تتجسد ملامح هذه العوالم الخفية في شريحة واسعة من اللوحات التي أنجزها صبري منصور بداية من مطلع الثمانينات، وهي المرحلة الأكثر غزارة وتنوعا في تجربته ككل، والتي ظهرت خلالها عدة ملامح ميزت تجربته في شكل عام، ففي تلك المرحلة ظهرت القرية بأبعادها وملامحها ومفرداتها الخاصة، ومع القرية تفتحت أمامه أبواب تلك العوالم الخفية المليئة بالجنيات والمردة والملائكة والنساء المتجولات في الليالي المقمرة، لنجد أنفسنا في النهاية أمام ثلاثة مستويات: عالم البشر، وعالم الجن، وعالم الملائكة والأطياف النورانية.

في اللوحات تتداخل تلك المستويات الثلاثة مع بعضها البعض وتتشابك العلاقات في ما بينها، فكأنه كان في حاجة إلى وسيط ما كي يكسر حالة السكون والصمت التي خيمت على أعماله الأولى، فما زالت شخوصه البشرية غارقة في صمتها وسكونها داخل البيوت الطينية التي تتخذ لنفسها أحيانا مسارات هندسية مركبة ومتشابكة بديلا عن الشرانق الحريرية الشفافة التي كانت تحيط بالأشخاص.

تبدلت الشرانق هنا بالبيوت الطينية، وتبدلت حالة السكون والصمت بنوع من التضرع والاستسلام لقوة أعلى وأعلم، علّها تنقذهم مما هم فيه.

ومع تطور التجربة تتفاعل الشخوص البشرية شيئا فشيئا مع العوالم الأخرى، فيصنعون معا شكلا من أشكال التعايش، تخرج الشخوص البشرية عن صمتها وسكونها لتدب فيها الحركة، تتأكد تلك الحركة وتعلو وتيرتها في اللوحات التي أنجزها صبري منصور منذ بداية الألفية، إذ نرى هذا التآلف والانسجام والتعايش بين العوالم الثلاثة في أشكال عدة.

لم تعد العلاقة قاصرة على التضرع أو التوسل والاستسلام للمصير، بل صار الأمر أشبه بالمشاركة والتفاعل مع حتمية قدرية يفرضها ذلك الوجود داخل الإطار الواحد.

مع تطور التجربة تتفاعل الشخوص البشرية شيئا فشيئا مع العوالم الأخرى، فيصنعون معا شكلا من أشكال التعايش

لم تكن الجنيات والملائكة وغيرها من عناصر العالم الخفي التي أفرزتها قريحة الفنان صبري منصور سوى وسيلة اتخذها من أجل التعبير، وسيلة أعطته حرية الانتقال بين مسارات عدة، منها ما هو مادي كالزمان والمكان، ومنها ما هو معنوي يعبر عن الخلجات والأحاسيس والمشاعر الداخلية.

ففي ذلك العالم الذي شكله على مساحة الرسم تتقلص حدود الزمان والمكان، ويتراجع عامل الزمن من حسابات الفنان، فهو يستدعي ما يشاء من عناصر ليوظفها داخل العمل بحرية تامة، دون الالتفات إلى حضورها وانتمائها الزمني أو المكاني، فتمتزج على سبيل المثال رموز الحضارة المصرية القديمة والأيقونات القبطية بحياة الفلاحين في القرى، وتتداخل عوالم الأساطير القديمة بالحكايات الشعبية، هو امتزاج فيه تداخل ووحدة وتناغم شكلي في المعالجات اللونية والصياغات البنائية للعمل.

وفي أعماله اللاحقة ما يلبث التضرع لقوى خفية أن يتحول إلى توسل بالأسلاف العظام واستحضار لروح الحضارة المصرية القديمة، ويظهر ذلك في شريحة واسعة من اللوحات التي أنتجها صبري منصور منذ بداية الثمانينات.

17