معرض الإسكندرية للكتاب..الثقافة المأزومة تبحث عن خلاص

معرض الإسكندرية للكتاب يرتدي زي التنوير ويحاول الخروج من دائرة الشعارات وتقديم الجديد.
الثلاثاء 2018/03/20
المعرض يطمح لتجاوز التحديات

القاهرة - تلقي التضييقات على حرية الإبداع في مصر بظلالها على الثقافة المأزومة في سعيها اللاهث إلى أن تتحسس لها منفذا عبر “معرض الإسكندرية الدولي للكتاب” الذي ينطلق بعد أيام قليلة  محاولا تقديم الجديد والنجاة من فخ الشعارية الذي يسم غالبية المعارض المصرية والعربية.
تواجه الفعاليات الثقافية الرسمية تحديات كثيرة، بعضها يتعلق بطبيعة الأداء الإداري، والبعض الآخر يتصل بالمثقفين أنفسهم الذين لا يمكن إرضاؤهم جميعا، ولا يزالون يطمحون إلى صورة أفضل تليق بقوة مصر الناعمة.
ولقي معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الأخيرة (26 يناير-10 فبراير 2018) انتقادات عدة، من حيث التنظيم والبرنامج الثقافي وغياب الضيوف البارزين وسوء معاملة الناشرين، فضلا عن تمحور فعاليات البرنامج الثقافي حول “موائد الكلام المكرور” دون القدرة على تقديم حلول وخطط واستراتيجيات وبرامج لاستعادة روح مصر ودور مثقفيها الغائب، وهي أمور دفعت مراقبين إلى المطالبة بإعادة هيكلة المعرض أو إلغائه.
تكررت مثل هذه الظواهر في أكثر من معرض عربي، إذ تتحول الوسائل والآليات إلى غايات بحد ذاتها، وكأن النقاشات والأطروحات هي محطة الوصول لا نقطة الانطلاق، ومن ثم أحجم الجمهور عن متابعة العديد من فعاليات البرامج الثقافية لهذه المعارض والندوات الأدبية والأمسيات الشعرية، بعدما كانت في عهود سابقة تشهد حضورا كثيفا وضيوفا من العيار الفكري الثقيل.

توفيق المتناقضات

وفق هذه الخلفيات والتشابكات كلها، يستعد “معرض الإسكندرية الدولي للكتاب” لإطلاق دورته الرابعة عشرة (31 مارس – 9 إبريل 2018)، آملا في مواجهة المعوقات بالأفكار الخلاقة، ويرتدي المعرض زي التنوير، ويفسح المجال لمناقشة قضايا ذات عناوين ضخمة من قبيل “مستقبل الثقافة في الوطن العربي”، ويشهد حضورا دوليا كبيرا وحشدا من المبدعين.

 

وسط ما تكابده الثقافة المصرية من جراح وأزمات أفقدتها وهجها وحضورها الحي داخليا وخارجيا خلال السنوات الماضية، يأتي امتحان الحرية ليشكل المأزق الأكبر خلال الفترة المقبلة، في ظل التضييق المؤسسي على حملة الأقلام وأصحاب الرؤى الإبداعية في الفكر والفنون والآداب، فضلا عن مصادرات الكتب والأفلام والعروض المسرحية

تشترك في تنظيم المعرض كل من وزارة الثقافة المصرية ومكتبة الإسكندرية، ويبدو أن إدارة المعرض انتبهت إلى ما آلت إليه الفعاليات الرسمية بمصر من جمود وتكلس وعدم القدرة على الاتيان بجديد، فأطلقت شعارا للدورة الحالية يحث على العقلانية والابتكار، هو: “فكر.. أدب.. فن.. إبداع”. 
هل التنوير والفكر والإبداع تحت سماء التحرر، شعارات أم ممارسات؟
يحتفي معرض الإسكندرية برموز من عهد الاستنارة، فعميد الأدب العربي طه حسين هو شخصية العام، وتنعقد حوله لقاءات الصالون الثقافي العربي، كما أن الأديب يحيى حقي موضع تقدير من خلال ندوة فكرية بمناسبة مرور ربع قرن على رحيله.
من مفارقات المعرض المحتفي بطه حسين كشخصية محورية، أنه للمرة الأولى يشارك فيه الأزهر بجناح خاص، يعرض المؤلفات والأبحاث والكتب، كما يشترك ممثلون للأزهر في بعض الأنشطة الثقافية.
ويعكس الحضور الأزهري الصريح تصورات إدارة المعرض عن مفهوم تجديد الخطاب الديني من خلال التوافقات والتفاهمات بين المتناقضات.
ووفق تصريح مصطفى الفقي مدير مكتبة الإسكندرية، فإن المكتبة تحتشد بدورها بمجموعة من الكتب التنويرية والأبحاث التحليلية والنقدية الهادفة إلى تشكيل الوعي العربي وإعادة بناء المجتمعات من خلال مناقشة الظواهر المعاصرة وقضايا الفكر والفلسفة والعلوم.
هذه الكتب، تعتمد على استكتاب باحثين أو ترجمة دراسات نوعية مختارة، فضلا عن الأعمال ذات المنهجية الاستشرافية، في التنظير والتطبيق. وتتسق الكتب مع المحور الأول للمعرض، وهو “مستقبل الثقافة في الوطن العربي”، ويهدف إلى مناقشة الثقافة المستقبلية في العصر الرقمي. 
ويركز المحور الثاني للمعرض على الإبداع والمبدعين من أبناء الإسكندرية، خصوصا من لم يسلط الضوء عليهم بشكل واف من قبل، أما المحور الثالث فيدور حول الأدب السيناوي، ملقيا الضوء بتوسع على تاريخ وتراث سيناء.
ويتمثل الوجود العربي والدولي بالمعرض في حضور أكثر من دولة بناشريها ومؤسساتها الثقافية الحكومية والأهلية، منها السعودية والإمارات والكويت ولبنان وليبيا والأردن وسوريا والولايات المتحدة والصين.
ويبدو حرص إدارة المعرض على الجانب الكمي، إذ تستضيف الفعاليات أكثر من 200 شاعر وقاص في عشر أمسيات وعشر ندوات، بما يعني تكدسا للمشاركين في الحدث الواحد، كما تقام قرابة مئة فعالية فكرية وثقافية وفنية متنوعة بالمعرض، وهو رقم كبير استنادا إلى عدد أيام المعرض، ويقود إلى نوع من التشتت وفقدان التركيز.
وتراهن إدارة مكتبة الإسكندرية على أن يتجاوز زوار المعرض هذا العام ستمئة ألف فرد، على أن مؤشر النجاح بطبيعة الحال مرتبط بقدرة الأنشطة التفاعلية على جذب الجمهور، ومدى تواصل الحضور مع الفعاليات، ومع الكتب المعروضة بالقراءة والاقتناء.

مقاومة التحجر 

ما يُحسب للبرنامج الثقافي لمعرض الإسكندرية للكتاب، تضمنه محاولات لمقاومة ملامح التحجّر والجمود المألوفة في المعارض والكرنفالات الرسمية، منها ورش الشباب في مجالات الكتابة الإذاعية والسيناريو والقصة القصيرة جدا والقصة القصيرة والرواية، وغيرها.

مصطفى الفقي: لن نرضي جميع المثقفين.. وهدفنا إعادة تشكيل الوعي العربي
مصطفى الفقي: لن نرضي جميع المثقفين.. وهدفنا إعادة تشكيل الوعي العربي

هناك أيضا ورشة ذات طابع شيق عن “التداوي بالكتابة”، وورشة عمل للأطفال بعنوان “قصر الحكايات”، وورشة كتابة أدبية “هل أنت قادر على كتابة رواية أو قصة؟”.
على الصعيد الفني، يشهد المعرض ندوة ثرية عن “الإسكندرية وجماليات الصورة البصرية”، وندوة خاصة عن الأدب السيناوي تتناول التراث الشعري الشعبي، والتراث القصصي، والمشهد السردي، وقصيدة النثر في سيناء.
من العروض غير النمطية في ساحة الحضارات بالمكتبة (البلازا): الأراجوز، والساحر، وأمسية شعرية يصاحبها الرسم بالصمغ، وندوة عن دور الدراما المصرية في معالجة القضايا الاجتماعية.
ومن المبتكر تقديم يوم كامل حول أحدث اتجاهات وتقنيات التسويق الرقمي، كما يشهد المعرض تفعيل خدمات الإنترنت مجانا للجمهور.
وحول لجوء المعرض إلى أساليب وتقنيات مبتكرة في التسويق الجماهيري، يشير مدير مكتبة الإسكندرية إلى اعتمادها على عدة وسائل للتسويق، منها الإعلانات المباشرة، حيث يتم نشر وتعليق لوحات إعلانية ولافتات في معظم شوارع الإسكندرية للإعلان عن المعرض ومواعيده.
من الوسائل كذلك التواصل الاجتماعي، وتوجد للمعرض صفحة رسمية، وتم عمل “إيفنت” لكل الأحداث بالمعرض، كما يعتمد التسويق أيضا على مساعدة الأدباء والمثقفين داخل الإسكندرية، ويتم نشر بوستر المعرض وبوسترات الفعاليات في المراكز الثقافية من قصور الثقافة ومراكز الإبداع والأتيليه وغيرها من المراكز الثقافية وفي كليات جامعة الإسكندرية.
من أبرز التحديات التي تواجه معرض الإسكندرية للكتاب مواجهة النمطية الإدارية بالتوجهات الابتكارية، وإرضاء جميع المثقفين بتقديم وجبة ترضي طموحاتهم، وهو ما أشار الفقي إلى أنه “مأخوذ في الاعتبار قدر المستطاع، لكن يبقى 
مستحيلا إرضاء جميع الأذواق مهما تم الحرص على تنوع الموضوعات وتعدد  أسماء الضيوف”.
ينعقد معرض الإسكندرية للكتاب في أثناء العام الدراسي، وهو ما يراه البعض غير ملائم، بينما ترى إدارة المكتبة أنه “التوقيت الأمثل”، لأن معظم الكليات النظرية كائنة بجانب المكتبة، ويمكن للطلاب الذهاب إلى المعرض بشكل منتظم، لشراء الكتب وحضور الفعاليات، وهذا التوقيت أفضل 
من شهور الصيف المقترنة بالزحام على شواطئ المدينة الساحلية التي تقع على البحر المتوسط.
يحمل “معرض الإسكندرية الدولي للكتاب”، محاور تنويرية جيدة على المستوى النظري، وملامح يبدو بعضها جديدا، فهل ينجح في استقطاب حضور جماهيري مقبول، وإقامة صيغ تفاعلية تنتشل الثقافة من نخبويتها وعزلتها وتحرر الكتب من كسادها؟

14