معرض الشارقة الدولي للكتاب يحتفي بثقافة التسامح

مؤشرات إيجابية يسجلها معرض الشارقة الدولي للكتاب، حول تراجع كتب السلفية والتشدد الديني لتحل محلها معروضات من دور نشر عديدة تعنى بالفكر التنويري ومحاصرة التطرف، كما أنّ كثافة النشاطات والفعاليات المرافقة للمعرض تتجه جميعها نحو إرساء ثقافة التسامح ونبذ العنف والانفتاح على الفكر الإنساني، وكل ذلك جاء بفضل جهود مثمرة لإدارة المعرض مما يؤكد توجه الإمارة لتكون فضاء للتلاقي الإنساني وتكريس تقاليد الحوار الحضاري.
الأربعاء 2016/11/09
معرض الشارقة يحارب التطرف بأكثر الأسلحة نجاعة

تتواصل فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب وسط اهتمام شعبي ونخبوي لافت على مستوى منطقة الخليج العربي عموما، باعتباره واحدا من أكبر وأوسع المعارض العربية المختصة في عالم الكتب والنشر، وكونه يمثل منصّة من المنصات القليلة التي يبدي فيها الناشرون الأوربيون اهتمامهم للمشاركة فيها.

واللافت في الدورة الـ35 لهذا العام محاولة تركيز القائمين على العرض على أن يحتفي المعرض بثقافة التسامح والتلاقي الحضاري والابتعاد قدر الممكن عن الغلو الديني السلفي، مقابل انتشار كبير للكتب التي تتحدث عن مكافحة الإرهاب ومقاومة الفكر السلفي، مع تركيز المعرض على منتجات ونشاطات فكرية وثقافية لها علاقة بالتسامح الديني والقومي والإنساني، وتحديثية للتفاسير الدينية وتشجيعية على التلاقي الحضاري بين الشعوب والأديان.

ومن الواضح تراجع مشاركة دور النشر التي تنتج كتبا دينية تقليدية، إضافة إلى قلة أعداد الكتب السلفية التي تتناول الدين من منظور متشدد أو أصولي، حيث تكاد أروقة بأكملها من المعرض تخلو من هذا النمط من الكتب.

المعرض يشهد إقبالا على شراء الكتب الناقدة للإسلام السياسي ومعرفة الآخر وحضاراته وتاريخه بعيدا عن التسييس والتدين

وفيما كانت دور النشر ذات التوجّه الفكري العلماني أو التنويري تنحصر في بضع عشرات من دور النشر العربية التي تشارك في أي معرض عربي، نجد في معرض الشارقة للكتاب أن عدد دور النشر ذات التوجّه التنويري كبير جدا، ويفوق بكثير عدد دور النشر التي تختص ببيع الكتب الدينية التقليدية، بل وحتى جناح المملكة العربية السعودية بات يضم كتبا تدعو إلى إصلاح فهم الدين ومحاربة التطرف والتشدد والإرهاب أكثر من الكتب الدينية التقليدية، والتي تعتبر أمهات الكتب التفسيرية الدينية وكتب شروح الدين.

ويشهد المعرض إقبالا على شراء الكتب التي تنتقد الإسلام السياسي والروايات ومعرفة الآخر وحضاراته وتاريخه، ومعرفة التاريخ العربي بعيدا عن التسييس والتديّن.

وأكد سامي أحمد، مدير دار التكوين لـ”العرب”، أن الكتب الدينية المعتدلة هي الرائجة في المعرض وفي العموم فإن نسبة تواجدها متوازنة على عكس البعض من المعارض العربية الأخرى التي نتفاجأ بأنها زادت من مشاركة دور النشر الدينية ووسعت من مشاركة الكتب الدينية السلفية مقابل وضع عراقيل أمام الكتب التنويرية، وهذا الأمر يحسب لمعارض الكتاب التي تقام في دولة الإمارات”.

أما مدير دار الساقي عصام أبوحمدان فقال لـ”العرب” “خلال سنوات ما بعد الثورات العربية وظهور الإسلام السياسي على حقيقته، زاد وعي الناس وإدراكهم لحقيقة هذه الظاهرة، وبدأت شرائح واسعة من الناس تهتم بفهمها وبالتوجه نحو الكتب التنويرية ورفض كتب التطرف والتعصب، وبما أن وصول الكتاب بات سهلا لأي قرية في العالم فإن تعميم المعارف صار سهلا أيضا، وعليه فقد زاد من قدرة الناس على متابعة الجديد من الكتب، علاوة على أن طلب الناس لفهم الظواهر الضارة بالمجتمع أصبح أكبر، وهذه المحاولات لفهم هذه الظواهر هي أولى الخطوات لمكافحتها”.

إدارة المعرض تقيم مجموعة من الندوات والمحاضرات واللقاءات التي تسعى إلى تأسيس خطاب ديني معاصر وأخرى تدعو إلى الحداثة الدينية ومحاربة الفكر الهدّام

وقال غسان طنوس، مدير التوزيع في “الدار الوطنية للنشر”، إن أسباب تراجع المعروض من الكتاب الديني وتراجع بيع مثل هذا النوع من الكتب “تعود إلى ما يشبه اليقظة لدى شريحة واسعة من القراء، وتراجع الرغبة في معرفة الدين عبر كتب متشددة لا يعرف لها سند في القرآن، خاصة بعد متابعة الناس لما يجري في غير بلد عربي نتيجة تسييس الدين واستغلاله من قبل الجماعات المتشددة والمتطرفة ورغبة الناس في فهم ومعرفة الدين الحقيقي المعاصر الأقرب إلى الفطرة البشرية والتعاليم الإلهية الواضحة التي وجدت خلال التاريخ محاولات لقسرها وليّ ذراعها، لتُفهم وتُفسّر وفق ما يتناسب مع التعصب الديني والتشدد الجهادي”.

وأضاف “لم تعد الكتب الأكثر رواجا تلك الكتب السلفية أو الإسلامية التي راجت بشكل لافت خلال العقود الأربعة الأخيرة بل الأكثر رواجا الآن هو الأعمال الأدبية، كالروايات بالدرجة الأولى، المترجمة بشكل خاص، والأنواع الأدبية الأخرى وخصوصا الشعر، وتلك الكتب المتعلقة بالتراث والتاريخ السياسي والإنساني والحضارات القديمة، وكتب التي تُسلط الضوء على مفاهيم الآخر المغاير”.

وتشهد كتب دار الساقي التي تعرض كتبا للتنوير الإسلامي وكتابات تنتقد الفكر الديني وتقدم طرقا مختلقة لكيفية تجديده، إقبالا لافتا، ومنها كتب محمد شحرور وكتب جورج طرابيشي وغيرهما، كما تشهد دار مداد رواجا ومبيعات كبيرة لكتب مشابهة للسابقة تهتم بالتجديد الديني والتفسيرات المتوافقة مع روح العصر والمنسجمة مع الفلسفة البشرية.

وأرجع طنوس تراجع عرض الكتاب الديني إلى مجموعة من الأسباب أهمها برأيه أن “الكثير من الكتب الدينية التي كانت تُعرض وتُباع يعود بعضها إلى أكثر من ألف عام، والبعض الآخر لبضع مئات من السنين، ونتيجة لعدم وجود حقوق نشر لهذه الكتب فقد طبعت في العشرات من دور النشر، ما أدى إلى إغراق السوق بها".

ومقابل ذلك، بدا واضحا تزايد الكتب التي تتناول مواضيع مكافحة الإرهاب، الديني والفكري والاجتماعي، وتلك التي تنتقد الحالة الدينية السلفية أو الإرهابية أو الإسلام السياسي المتشدد، ويلاحظ وجود دور نشر عديدة باتت تركز في إنتاجها فقط على هذا النوع من الكتب التي باتت المرحلة الراهنة في أمس الحاجة إليها.

وتقيم إدارة المعرض مجموعة من الندوات والمحاضرات واللقاءات التي تسعى إلى تأسيس خطاب ديني معاصر وأخرى تدعو إلى الحداثة الدينية ومحاربة الفكر الهدّام كما تدعو إلى مكافحة الإرهاب الفكري والديني بكل أنواعه، شارك فيها كتّاب ومفكرون عرب بشكل أساسي ومن الغرب بشكل أقل.

ويعكس هذا التراجع في انتشار الكتب السلفية مقابل تزايد الإقبال على كتب التسامح ومكافحة التشدد رغبة دعمها القائمون على المعرض من جهة، ومن جهة ثانية توجّه الإمارة لتكون فضاء للتلاقي الحضاري وإشاعة تقاليد التسامح الديني والفكري والإنساني والقومي.

13