معرض القاهرة الدولي للكتاب.. الكتاب كظاهرة اجتماعية

الخميس 2018/02/01

تنعقد هذه الأيام الدورة التاسعة والأربعون لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وهو المعرض الظاهرة في الحقيقة لجهة التنظيم وحجم المشاركات بالنسبة لدور النشر وعدد الكتّاب والجمهور الغفير الذي يحضره. أقول ظاهرة لأن معرض القاهرة للكتاب يختلف في الكثير من المناحي عن بقية معارض الكتاب التي تُقام في العالم العربي وربما في العالم كلّه.

وعلى الرغم من الفعاليات والنشاطات والندوات التي يزخر بها برنامجه الثقافي والتي تعد غاية في الاختصاص والدقة والمستوى الرفيع، فإنّه معرض الكتاب الشعبي الأوّل في العالم لجهة حجم الجمهور وطبيعته، فقد حققت دورته السابقة أكثر من ثلاثة ملايين زائر حسب مديره الدكتور هيثم الحاج علي في آخر تصريح له، وهو الرجل الذي يمتلك القدرة السحرية على التحكم في مثل هذه الفعالية الكبيرة والجمهور الواسع بواسطة مجموعة كبيرة ومجتهدة من اللجان واللجان الفرعية ومجاميع المتطوعين والمساندين.

وحسب علمي لا يتمتع أي معرض للكتب في العالم بهذا الكم الهائل من الزوار، خصوصا إذا ما علمنا أن المنظمين يستهدفون ما يقارب الخمسة ملايين زائر هذا العام.

ولعلّ قائلا يقول ليس بحجم الجمهور وحده يقاس النجاح، وهو قول صحيح إلى حدٍّ ما، لكن بالنسبة لمعرض القاهرة تحوّل هذا الجمهور الكبير إلى ظاهرة ملفتة، انعكست بالتالي على علاقة الجمهور، الذي يتكوّن في جلّه من الأسر والشباب والشابّات والأطفال، بالكتاب، وهو ما لم نجده في جميع معارض الكتاب الأخرى سواء العربية أو العالمية، فأن يكون لدينا أكثر من ثلاثة ملايين مواطن مصري يدركون أهمية الكتاب ويجدون في حضور المعرض ضرورة معرفية وترفيهية ومناسبة اجتماعية وثقافية، هو إنجاز بحد ذاته، ولا سيّما في بلد يعاني من شبه أزمة اقتصادية وتراجع مستوى القدرة الشرائية لدى المواطنين.

وعلى الرغم من أن نسبة كبيرة من الزائرين قد لا تقتني كتبا، لكن المدهش في الأمر أن جميع العارضين من الناشرين المصريين والعرب يبيعون الكتب بشكل جيد جدا في المعرض، وهي معادلة مدهشة ومحيرة في الحقيقة.

وحتى لو افترضنا أن نسبة عشرة بالمائة من هذا الجمهور الواسع ستقتني كتبا فإنّ النتيجة، قياسا بالثلاثة ملايين زائر ستكون ثلاثمئة ألف مقتنٍ، وهو عدد قد يفوق زوار معارض الكتاب في الدول العربية الأخرى كلّه.

لكن ما يهمني أكثر هنا هو تلك العلاقة الحميمة بين المعرض والأسر المصرية التي تفترش بعضها الحدائق والفسحات العشبية وسط السرادقات الكبيرة المخصصة للعرض وتتناول طعامها الذي تحمله معها من المنازل خصيصا لهذه المناسبة، ليجلس أفرادها ويحصون أو يتأملون بفرح حصيلتهم من الكتب التي ابتاعوها ويتباهون بها.

لقد نجح معرض القاهرة خلال السنوات الأخيرة في تحويل الكتاب إلى ظاهرة وممارسة اجتماعية حَريّة بالتأمل والدراسة في الواقع، ولا تقتصر خصوصيته على حجم الجمهور الكبير وحسب، بل تتجاوزه إلى الكثير من الظواهر والممارسات المتداخلة والمتمثلة في عروض الكتب الرخيصة والمدعومة أو تلك المطبوعة بطبعات شعبية ومنصات المزادات العلنية والمباشرة لبيع الكتب سواء باللغات العربية أو الأجنبية أو تلك المخصصة للأطفال واليافعين بالإضافة إلى انتشار مطاعم الأكلات الشعبية المصرية وغيرها.

وإذا ما أضفنا إلى هذا كلّه برنامج الندوات المكثف والحافل بالموضوعات التي تُطرح للنقاش وطبيعتها الإشكالية ومستوى المشاركين فيها والضيوف المدعوين وطريقة تنظيمها الدقيقة وما يرافقها من جهد إعلامي وترويجي احترافي، تكون النتيجة بالتأكيد ظاهرة ثقافية ملفتة واختلافا واضحا وخصوصيّة تستند بالدرجة الأساس إلى عمق الثقافة المصريّة وتكوينها المتجذر.

كاتب عراقي

13