معرض القاهرة الدولي للكتاب تظاهرة ثقافية وفنية ضد التطرف والإرهاب

السبت 2015/02/07
مثقفون يعتبرون أن أدونيس صاحب خطاب بائت وممالئ للسلطة

القاهرة - تتواصل فعاليات الدورة السادسة والأربعين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (28 يناير/12 فبراير) وتشهد مشاركة 26 دولة عربية وأفريقية وأجنبية. أما عدد الأجنحة فقد وصل إلى ثمانية وأربعين. وبلغ عدد الناشرين 850 ناشرا منهم 50 ناشرا أجنبيا، و250 ناشرا عربيا، و550 ناشرا مصريا.

الإقبال الكبير الذي شهدته الدورة الـ46 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب على مستوى الحضور الجماهيري وحضور الكتاب والمبدعين والمثقفين والمفكرين والفنانين المصريين والعرب، لم تشهده الدورات الأربع الماضية، وقد سبقت المعرض حملات دعائية مكثفة للإصدارات الجديدة لدور النشر، لعب الكتاب والمبدعون والمثقفون دورا بارزا فيها، حيث وظفوا صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر لترويج كتبهم والتعريف بأجنحة دور النشر.

فربما للمرة الأولى يشهد المعرض هذا الكم الكبير من حفلات التوقيع جنبا إلى جنب مع برنامج ثقافي وإبداعي اهتم بمناقشة الإصدارات الجديدة، لكن هناك أسبابا أخرى وراء هذا الإقبال يتمثل في أن خط المترو الذي يصل محافظات القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية) وصل إلى باب المعرض، وبذلك تشجع المصريون على الذهاب وقضاء يوم كامل داخل أجنحة المعرض، لمتابعة برنامجه الثقافي والإبداعي والفني، الذي قدّم يوميا 36 حدثا ثقافيا وفكريا وفنيا في 9 مواقع بالإضافة إلى فنون الشارع والنشاط الثقافي للسعودية ضيف الشرف.


تصاعد الإرهاب


على الرغم من أن افتتاح المعرض تزامن مع تصعيد الجماعات الإرهابية لزرع وتفجير القنابل في مصر، وخاصة بالقاهرة، إلا أن ذلك لم يثن المصريين عن التوجه إلى المعرض مؤكدين أنه ليس هناك من يستطيع إرهابهم أو ترويعهم أو النيل من حبهم للحياة والثقافة والإبداع والفن.

اللقاءات الفكرية شملت كبار المفكرين مثل حسن حنفي ورجاء بن سلامة وحمدي محمود زقزوق وعبدالجبار ياسين

وربما من أجل هذا السبب الأخير حرص جزء كبير من هذا الحضور الواسع أن يتابع المحاور التي تناقش القضايا الأكثر حوارا وجدلا على الساحة السياسية والثقافية والإعلامية والاجتماعية، والتي شكلت جزءا حيويا من البرنامج الثقافي العام، فقد اندرجت تحت العنوان الرئيسي للمعرض “الثقافة والتجديد” قضية تجديد الخطاب الديني وإصلاحه، والثقافة السياسية وجماعات الإسلام السياسي ونقد التراث، والإسلاموفوبيا، وخطر امتداد داعش على المنطقة وغيرها.

وجاءت الندوات التي تناولت فكر شخصية العام الإمام محمد عبده، لتتناول أيضا قضايا التجديد الديني وذهنية التكفير والجهاد، وزمن الأصولية من زاوية هذه الشخصية التي تعدّ أحد كبار التنويريين والمجددين في العصر الحديث، كما انصبت اللقاءات الفكرية الخاصة بكبار المفكرين مثل حسن حنفي ورجاء بن سلامة وحمدي محمود زقزوق وعبدالجبار ياسين وغيرهم، وكذلك لقاءات المخرجين السينمائيين والمسرحيين والفنانين على هذه القضايا أيضا، حتى الكتب التي تمّ اختيارها ضمن برنامج “كاتب وكتاب” لم تخل من مناقشة المؤلفات التي تناولت قضايا الإرهاب وجماعات الإسلام السياسي وغيرها. الأمر الذي جعل من المعرض تظاهرة فكرية ثقافية إبداعية ضدّ الأفكار التكفيرية والمتطرفة التي تقود الإرهابي في العالم اليوم.


ندوات وتبرعات


من بين الندوات المهمة كانت ندوة الخبير الاقتصادي عبدالخالق فاروق لمناقشة كتابه “اقتصاديات الإخوان في مصر والعالم”، حيث أوضح بالأرقام حجم جماعة الإخوان الإرهابية الاقتصادي والاجتماعي، مؤكدا أن موارد التنظيم تتحدد في ثمانية موارد: اشتراكات الأعضاء، والتبرعات من الأفراد والمؤسسات، وأموال الزكاة، وأرباح المشاريع في خارج مصر وداخلها والتي يديرها يوسف ندا، إلى جانب عنصرين وهما أموال الإغاثة الإسلامية الدولية، وأموال الجهاد الأفغاني. وأن الاشتراكات السنوية بلغت 87 مليون جنيه وتصل إلى 187 مليون جنيه بمتوسط 141 مليون جنيه سنويا.

وبالنسبة إلى التبرعات بلغت أقلها 70 مليون جنيه، و166 مليون جنيه متوسط، و603 مليون جنيه سنويا بمتوسط 280 مليون جنيه سنويا، إلى جانب ربع الأرباح إجماليا من الشركات المملوكة للإخوان والتي تحوّل إلى التنظيم، وبذلك يصل إجمالي الأرباح والتبرعات 500 مليون جنيه سنويا. أما أموال الزكاة ووفقا للتقدير بلغت 188 مليون جنيه سنويا من داخل مصر، أما خارج مصر في أوروبا فيدفعها ما يقرب من 200 ألف شخص بما يبلغ 125 مليون جنيه سنويا، وفي أميركا يدفع 150 ألف شخص ما يبلغ 375 مليون دولار.

الندوات تناولت فكر شخصية العام الإمام محمد عبده

وأشار فاروق إلى أن إجمالي دخل التنظيم بناء على ما سبق بلغ حدود 6 مليار و800 مليون جنيه سنويا، أي حوالي 7 مليار جنيه سنويا. ولفت إلى أن التعاطف مع الإخوان سببه قدرتهم على توفير أمان اجتماعي للفئات الفقيرة نتيجة انسحاب الدولة عن القيام بدورها.

وفي ندوة تجديد الثقافة السياسية أكد عمرو الشوبكي أن علم السياسة لا يعترف بالعصا السحرية مشيرا إلى أن التحول الديمقراطي قد يستغرق سنوات ويلزمه تجديد في الثقافة السياسية لتكريس احترام رأي الأغلبية وقبول التنوع وقال: نحن في حاجة إلى أن نجدد الأحزاب السياسية بحيث لا يكتفي الحزب بالشعار السياسي وإنما يعمل على تطبقه.

وطالب كل مؤسسة سياسية قبل أن تطرح شعاراتها أن تكون لديها القدرة على تطبيقه، فهذا ما تفعله المجتمعات المتقدمة ونحن في أشدّ الحاجة إلى التجديد في الثقافة السياسية والانتقال من الكلام المرسل إلى الأسس الواقعية القابلة للتحقيق.

رأى السيد ياسين أن ثمة خللا في قضية تجديد الثقافة السياسية وتحتاج إلى خيال سياسي، أما التجديد الثقافي فإنه لا بدّ أن نفهم العالم المعاصر فهما نقديا، أن نفهم ما الذي تغيّر في العالم، ولا بدّ من قراءة العالم بشكل نقدي، وقال إن هناك نقدا الآن في الدول الغربية للديمقراطية التمثيلية وأنها لا تعبر عن الإرادة الشعبية، وهناك كلام حول ديمقراطية المشاركة.

وتحت عنوان “تجديد الفكر الديني في عصر العولمة”، التقى جمهور المعرض مع ضيف مصر أحمد عبادي، رئيس الرابطة المحمدية للعلماء المسلمين بالمملكة المغربية الذي أكد أن المشكلة الأساسية التي يقع فيها عدد كبير من علماء الدين الأجلاء هو الكسل، والزعم بأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان، وقال: تلك روح انهزامية غير مقبولة، فصحيح ما كتبه السلف الصالح كان هو الأفضل وفق مقتضيات زمانهم وما كان يحيط بهم، ولكن ليس معنى هذا أن نتواكل معتمدين على أمور فقهية مرّ عليها أكثر من ألف عام، متناسين قول الله عز وجل في كتابه العزيز في أول آية نزلت على رسولنا الكريم “اقرأ بـاسم ربك الذي خلق” إلى نهاية السورة.

وأضاف عبادي “الزمن يسير بسرعة مذهلة، والعالم يتغير في لحظات ولدينا ما يزيد عن المليار معلومة في الثانية الواحدة، كل هذا يجب علينا أن نستحضره وأن يكون ماثلًا أمام أعيننا ونحن نعالج قضايانا الفقهية الحالية، فالإنسان لا يعيش بمفرده، حيث أصبح العالم قرية صغيرة، وما يحدث في شمالها يؤثر على جنوبها والعكس، والتحدّي الأكبر من وجهة نظري والأخطر هو كيف نستقي ونستخلص من القرآن الكريم الذي يهدي بالتي هي أقوم ما يتماشى مع أمور دنيانا دون المساس بالأصول العقائدية، وهذا في حاجة إلى جيل من العلماء المسلمين الذين يتسمون بالمعرفة الشمولية في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية دون الاقتصار على الجانب الديني، وإذا تساءلنا عن حالنا الآن ستكون الإجابة أننا بالقطع نسير من سيّئ إلى أسوأ، ولكي نصل إلى الأفضل علينا أن نجتهد”.

الأصولية أصبحت تيارا عالميا في جميع الأديان، ثم تبلورت أكثر بإعلان كل دين من الأديان أنه يمتلك الحقيقة المطلقة

وفي ندوة “زمن الأصولية” إحدى ندوات محور تجديد الخطاب الديني أكد المفكر مراد وهبة على أن الأصولية لا تعمل العقل، فلا يمكن إقرار أي نظرية علمية تناقض النص الديني، وقال “منذ النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين بدأت ألاحظ أن الأصوليات تزحف على جميع الأديان الموجودة على كوكب الارض”.

وأضاف “أصبحت الأصولية تيارا عالميا في جميع الأديان، ثم تبلورت أكثر بإعلان كل دين من الأديان أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وهذا ما أحدث الصراع بين مختلف الأديان، بعد أن اعتقد كل منهم أنه يمتلك المطلق. وأيّ مطلق آخر لا بدّ أن يقضى عليه، وبالتالي يمكن القول أن الإرهاب أعلى مراحل الأصوليات الدينية، فإذا كنا نريد أن نقاوم الإرهاب لا بدّ أن نحلل الأصولية الدينية، ونفهم لماذا يخشى العالم على نفسه إذا ناقشته في المعتقد الديني”.

ورأى وهبة أن أزمة تطوير العلم والمجتمع تصنعها الأصولية، فاعتناقها يعيق العقل ويقف ضدّ الاجتهادات البشرية في ميادين الحياة، لذا لا بدّ من مواجهة هذه الأصولية الدينية بالعلمانية التي يكون كل شيء نسبيا بها.

وأوضح أن ما يقال عن فصل الدين عن الدولة كتعريف للعلمانية ليس صحيحا، لأنه لا يمكن أن تفصل السياسة عن أي مجال في الحياة بما في ذلك المعتقد الديني. والدين له ثلاثة معان: الأول الدين بمعنى الإيمان، وتحويل الإيمان إلى معتقد ديني، والتي يأتي منها التكفير لمن يخالف معتقدك، الخطوة الثالثة فرض معتقد معين على كل البشر. وعند تجديد الخطاب الديني لا يمكن أن نقوم بالمرحلة الأولى وهي الإيمان لأنه مرحلة شخصية، لكن في المرحلة الثانية التي يتحول فيها الإيمان إلى معتقد ديني مطلق يمنع أي اجتهاد، ويتهم المجتهد بأنه ملحد أو يرمى بالكفر، وفي هذه الحالة لا بدّ أن نسارع بعملية تجديد الخطاب الديني، لنحتكم إلى مشروعية إعمال العقل، وعند إعمال العقل يكون هناك تعدّد في التأويلات، وهنا تأتي عظمة ابن رشد الذي قال “لا تكفير مع التأويل، ولا إجماع مع التأويل”.

وهاجم الدكتور أنور مغيث الأصولية واتهمها بأنها موقف فكري وقال: علينا أن نحدد موقفنا من الأفكار، فقديما قال فيلسوف ألماني “إن الإنسان كائن حي تواجهه تحديات لا بدّ أن يستجيب لها”، وفي الوقت الذي تدفع فيه الحيوانات عملية التحوّل من أجسادها فإن الإنسان يحافظ على جسمه بواسطة أفكاره، ذلك لأن الأشياء القديمة لا تستطيع الصمود أمام مستحدثات العصر، ولا يمكنها أن تقاوم الأزمنة المختلفة، بما في ذلك اللغة والملابس وطريقة المعيشة، وغير ذلك من الأمور الحياتية فضلا عن الأفكار التي يجب أن يتم تطويرها يوما بعد آخر وكذلك القوانين التي تحكم الناس وتتحكم في سلوكهم.

ربما للمرة الأولى يشهد المعرض هذا الكم الكبير من حفلات التوقيع جنبا إلى جنب مع برنامج ثقافي وإبداعي اهتم بمناقشة الإصدارات الجديدة


أدونيس والفلسفة الإسلامية


تساءل الشاعر السوري أدونيس في لقائه الفكري مع جمهور المعرض: كيف حدثت المنجزات الكبرى في الماضي ولم تحدث في الحاضر؟ وقال “الجواب بسيط هو أنه لا يمكن التجديد والانتقال من مرحلة إلى مرحلة إلا بإحداث قطائع معرفية وقطائع جمالية. ومثل هذه القطائع حدثت في العصر العباسي على وجه خاص، لكنها لم تحدث عندنا حتى اليوم بالشكل الذي تفترضه الحداثة العربية داخل الانقلابات المعرفية الكبرى، وذلك على الرغم من حدوث هزات معرفية وفكرية عنيفة في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين”.

وأوضح بأن هناك إمكانية للتجديد والتأويل في الدين، وأضاف “أنتم تعرفون قصة التأويل في التراث العربي، ولعلكم تعرفون القراءات والتأويلات التي حدثت في الثقافة العربية وبشكل خاص في إطار الأفق الديني. والآن يختصر ويختزل -هذا التأويل- القرآن الكريم إلى مئة وخمسين آية فقط هي التي تتعلق بأمور النكاح والفرائض والطقوس الدينية، غافلين عن جميع الآيات الأخرى المتعلقة بالتدبر في الكون وخلق السماوات والأرض وخلق مناهج جديدة، وكأن النص القرآني غير موجود في هذه المجالات إطلاقا”.

ورأى أدونيس أنه لا يوجد اليوم فيلسوف إسلامي معاصر يستطيع أن يجاري بفكره وآرائه فلاسفة الغرب في حين أن تعداد المسلمين في العالم قد تخطى المليار ونصف مليار مسلم. وقال “لكننا على الطرف الآخر نجد هناك مئات بل آلاف الفقهاء، الذين ليس لديهم أي تجديد ولا ابتكار، هم فقط يقلدون أسلافهم تقليدا أعمى دون وعي أو فكر. إن هذه الظاهرة الخطيرة التي نعيشها اليوم من باب أولى أن تكون هي الشغل الشاغل لكل مسلم، وكل عربي على نحو خاص”.

وقد اعتبر عدد كبير من المثقفين المصريين ومن بينهم الشاعر والمترجم محمد عيد إبراهيم، والشاعر فتحي عبدالله أن أدونيس لم يأت بأيّ جديد سوى ممالأة النظام المصري ومسايرته، ولم يعبّر عن أي تضامن مع الشباب الذين صنعوا ثورة ميدان التحرير، والذين باتوا هم وأحلامهم في الظل اليوم.

16