معرض القاهرة الدولي للكتاب شعاره "ثقافة الشباب" وأنشطته بلا هوية

الواقع الاقتصادي والسياسي ينعكس بالضرورة على المشهد الثقافي، الذي يعد الأكثر تأثرا بالتغيرات التي من حوله نظرا إلى حساسيته المفرطة، خاصة في الدول العربية التي لا ترى أغلبها في الثقافة قطاعا حيويا فاعلا ومؤثرا. وما حصل في مصر من انعكاس للواقع الصعب على فعاليات معرض الكتاب بالقاهرة ثاني أكبر معرض كتاب في العالم دليل واضح على ذلك.
الثلاثاء 2017/01/31
تراجعت الخدمات التي يقدمها المعرض

تواجه الدورة الـ48 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب التي انطلقت يوم 26 يناير الكثير من التحديات حيث ألقت الظروف الاقتصادية الصعبة التي تشهدها مصر حاليا بظلالها عليه، فأثر تحرير سعر صرف الدولار على ارتفاع أسعار الورق وخامات الطباعة بـ100 بالمئة، ومن ثم على الناشرين وعدد العناوين الجديدة وإقبال القراء على الشراء، ومن جهة أخرى خفض الناشرون العرب مشاركتهم في المعرض، فالذي كان يشارك بـ100 عنوان أصبح يشارك بـ20 فقط، نظرا إلى أن الكتاب لن يباع بسعر الدولار، خاصةً أن الكتاب الذي سعره 10 دولارات، سيصبح سعره 190 جنيها، الأمر الذي لا يتحمله القارئ المصري.

تراجع المعرض

تراجعت الخدمات التي يقدمها المعرض، وبقيت على ما كانت عليه العام الماضي، مجرد أرض فضاء تقام عليها سرايا وأجنحة البيع بشكل غير منظم، والطرقات داخل هذه السرايا والأجنحة متربة غير مرصوفة ومغطاة بموكيت.

وعلى الرغم من ذلك يجد المعرض إقبالا من المصريين بغض النظر عن كون الكثيرين منهم يذهبون للفرجة والفسحة والاستمتاع بالعروض الفنية السينمائية والفرق الموسيقية والغناء التي يقدمها مخيم الفنون واللقاءات مع فناني السينما والدراما التلفزيونية التي يقترحها المعرض ضمن برنامجه.

يحمل المعرض شعار “الشباب وثقافة المستقبل”، والشاعر صلاح عبدالصبور شخصيته لهذه الدورة، والمملكة المغربية ضيف شرف بمشاركة أكثر من 60 مفكرا وأديبا وشاعرا، بينهم الروائية والشاعرة فاتحة مرشيد والناقد سعيد يقطين، والشاعر محمد بنيس، والناقدة زهور كرام، والأديب أحمد المديني، والروائي عبدالكريم جويطي، وقد بلغ عدد الدول المشاركة 35 منها 16 دولة عربية.

ونظرة إلى البرنامج الثقافي والفني الطويل للمعرض الذي تشرف عليه الهيئة المصرية للكتاب الجهة المنظمة، تجعلنا نقر بأن عناوين الأنشطة بلا هوية، بلا قضية، ولا سؤال، مجرد تعبئة لندوات وأمسيات وعروض ولقاءات لا ينظمها خيط ولا تصوغها رؤية محددة، حتى لنرى تحتها تكدسا في أسماء المشاركين، وكأن هناك من يسعى إلى إرضاء الجميع بغض النظر عن فعالية البرنامج ومناقشاته وعروضه، إذا يتجاوز عدد المشاركين في فعاليات بعض الأيام 140 مشاركا، فمثلا نجد في مائدة مستديرة تناقش ظاهرة الفساد زمنها ساعتان 15 متحدثا، فضلا عن أن جل أسماء المتحدثين ليس لهم هذا الثقل الثقافي والفكري في مختلف التخصصات والمجالات الثقافية وغيرها.

دور النشر تبدو أكثر نشاطا وحيوية من البرنامج الرسمي للمعرض حيث أقامت كل منها تواقيع لعناوينها الجديدة

أما على مستوى القضايا التي يناقشها فيبدأ المعرض، الذي شعاره ومحوره الرئيسي “الشباب وثقافة المستقبل”، أولى ندواته بـ “تحولات السينما.. عرض لفيلم ‘حار جاف صيفا'”، ثم “السرد والمستقبل”، مرورا بـ “قصيدة المستقبل”، و”الفنون التشكيلية والمستقبل”، وانتهاء بـ”حرية تداول المعلومات والوثائق” و”الدساتير والمستقبل”، و”الموسيقى والشباب” و”الفلكلور والشباب”، وهكذا فإن شعار ومحور المعرض قضايا في المطلق لا تطرح تساؤلا أو تثير الرغبة في التساؤل، على الرغم من أن الشباب المبدعين والمثقفين منهم خاصة في أمس الحاجة إلى طرح أسئلة جوهرية تخص المشهد الثقافي والإبداعي برمته وما يعتمل فيه من قضايا تمس الكتابة والفنون وحرية التعبير.

أنشطة وندوات

على الجانب الآخر تبدو دور النشر أكثر نشاطا وحيوية حيث أقامت كل منها برنامجها الخاص بتواقيع عناوينها الجديدة.

ولفت جناح الأزهر الشريف بالمعرض والذي شاركت فيه قطاعات الأزهر المختلفة اهتمام الجمهور المصري والعربي والأجنبي فأقبل عليه بشكل متميز.

ونذكر أيضا من اللقاءات المهمة التي شهدتها فعاليات المعرض في الأيام الأربعة الأولى لافتتاحه اللقاء الفكري مع الباحث جلال الجميعي، أستاذ الكيمياء العضوية بجامعة حلوان، والحائز على جائزة الإيسيسكو في العلوم والتكنولوجيا 2016، الذي أكد في حديثه أن مصر لا تستفيد من البحث العلمي، نتيجة هجرة العلماء واستثمار الخارج لعلمهم، دون الداخل، موضحا أن هجرة العلماء أكبر خسارة للدولة المصرية، كما تطرق الباحث إلى مواضيع مختلفة من تاريخ وحاضر مصر.

ندوة أخرى شهدها المعرض بعنوان “الرواية الإماراتية.. الماضي والحاضر”، استعرضت فيها الكاتبة الإماراتية إيمان اليوسف ملامح تطور الأدب الإماراتي وقالت إنه رغم نجاحه وبروزه على الساحة العربية إلا أنه لا يزال يغفل التعبير عن الطبيعة الإماراتية وجذورها الغنية بالأفكار والتراث الإنساني.

وفي ندوة أخرى حول واقع الشعر المصري أكد الشاعر حسن طِلب أستاذ الفلسفة بجامعة حلوان أن الساحة الشعرية المصرية مليئة بالمواهب، لكن المشكلة تكمن في الإعلام الذي تحول إلى مباريات بين مقدمي برامج التوك شو، وتخلى عن دوره الثقافي والتنويري، فالإعلام هو الذي يهمش الثقافة، كذلك تخلى النقاد عن دورهم، معتبرا أن الناقد هو حلقة الوصل بين القارئ والشاعر.

ونفى طلب أن يكون الشعر مجرد دغدغة للمشاعر، أو وسيلة للترفيه عن النفس، وقال “الشعر الحقيقي يخاطب أعمق ما فينا، ولهذا فلابد من العمق الفلسفي في الشعر دون أن يتحول الشعر إلى مقاطع فلسفية”.

ورأى طِلب أن التمرد على الثابت، وعلى التقليدي هو ما يصنع الشاعر، والتمرد هو الذي يميز الرأس من القطيع، مشيرا إلى جماعة إضاءات الأدبية، التي أسستها مجموعة من الشعراء المنتسبين إلى فترة السبعينات كمثال.

وفي جلسة حول الإعلام في مصر انتقدت الإعلامية درّية شرف الدين، وزيرة الإعلام السابقة الوضع الإعلامي الحالي قائلة “نستحق إعلاما أرقى وأفضل وأثمن من ذلك، ولابد أن يعود الإعلام كمصدر إعلامي رفيع المستوى. لذا من المفترض أن تتدخل الدولة وتعيد الإعلام في مصر إلى سابق عهده، كونه يسير الآن بشكل عشوائي، وغير منظم، ويغلب عليه الصوت العالي”.

ومن جانبه كشف المترجم أحمد السعيد أن مبيعات الكتب فى الصين تتعدى المليار كتاب فى العام، وأن الصين تملك 3 آلاف و342 قناة تليفزيونية، وأكثر من ألف إذاعة، و2780 برنامجا إذاعيا، رغم أنها لم تنشئ وزارة إعلام. وقال خلال ندوة بعنوان “الصحافة والنشر في مصر والصين”، “يكفى أن نعلم أن عناوين كتب الأطفال التى صدرت في العام السابق فقط بالصين، كانت حوالي 3 آلاف و663 كتابا، وبلغت عناوين الكتب بشكل عام حوالي 367 ألف عنوان، بالإضافة إلى 100 ألف دورية في شتى مناحي الحياة”.

وبدوره اعتبر يان تشي جيه، صاحب مشروع الصين للتعاون الثقافي أن هذه فترة ذهبية للعلاقات الثقافية الصينية المصرية والعربية، خاصة بعدما بدأت الصين تنفتح على العالم، بعد سنوات من الانغلاق، وكانت مصر هي بوابتها إلى العالم العربي وأفريقيا.

14