معرض القاهرة الدولي للكتاب ضحية القرارات الخاطئة ومصطلح "الدورة الاستثنائية"

المعرض يعدل عن إلغاء فعاليات ثقافية لإنقاذ دور النشر من الخسائر.
الجمعة 2021/07/09
في غياب المثقفين تغير جمهور المعرض والكتب الرائجة

تتواصل فعاليات الدورة الـ52 من معرض القاهرة الدولي للكتاب إلى 15 يوليو الجاري في مركز مصر للمعارض والمؤتمرات، وذلك في ظل ظروف استثنائية وإجراءات احترازية مشددة فرضتها الحالة الصحية، التي أجبرت المعرض على التخلي عن برنامجه الثقافي والاتجاه إلى العالم الرقمي، لكن ذلك لم يحقق النجاعة والنجاح المطلوبين.

القاهرة – سيطرت حالة من الارتباك على فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ”52”، والمقرر أن تختتم منتصف الشهر الجاري، واضطرت إدارة المعرض للتراجع عن قرارات اتخذتها قبل انطلاقه للتعامل مع الأوضاع الصحية التي فرضها فايروس كورونا المستجد، بعد أن واجهت عزوفا من النخب والمواطنين على حدّ سواء وسط تزايد شكاوى دور النشر من تحوّله إلى عبء مالي مضاعف عليهم قد يأتي بخسائر جديدة بدلا من إحداث انتعاشة مأمولة.

وفتحت وزيرة الثقافة إيناس عبدالدايم الاثنين باب حجز حفلات التوقيع لدور النشر على أن يكون ذلك في أماكن مفتوحة، مخالفة بذلك قرارا سابقا اتخذته بمنع إقامة فعاليات داخل المعرض نهائيا، في خطوة استهدفت إنقاذ العديد من دور النشر من تكبد خسائر محققة، بعد أن ضاعفت إدارة المعرض أسعار تأجير أماكن عرض الكتب في الوقت الذي غابت فيه قطاعات واسعة من المواطنين عن الحضور.

قرارات خاطئة

قررت عبدالدايم زيادة الطاقة الاستيعابية للمعرض لتصل إلى 140 زائرا يوميا بدلا من 100 ألف زائر لإتاحة فرصة وجود أكبر عدد من الجمهور خلال الأيام المقبلة، إذ شهد المعرض حجز 323 ألف تذكرة إلكترونية فقط بعد مرور أسبوع على افتتاحه، إلى جانب حجز 900 ألف تذكرة فقط على مدار أيامه، مقارنة بأكثر من 4 ملايين زائر للمعرض خلال دورة العام الماضي.

وهدفت الحكومة المصرية من تنظيم المعرض في هذه الأجواء إلى الإيحاء بأن الأمور تعود إلى طبيعتها في البلاد، وتخفيض التداعيات التي تسبب فيها الفايروس على دور النشر، والحفاظ على المعرض الذي تأجل افتتاحه إلى نحو ستة أشهر هذا العام بسبب الإجراءات الاحترازية والتباعد الاجتماعي.

المعرض يعرف عزوفا من النّخب والمواطنين على حدّ سواء وسط تزايد شكاوى دور النشر من تحوله إلى عبء

وتراجعت الوزارة أيضا بشكل ضمني عن قرارها السابق بإتاحة الحجز إلكترونيا فقط، وسمحت بوجود منافذ لتوفير التذاكر للمواطنين الذين لم يتمكنوا من الحجز إلكترونيا عبر متطوعين يقومون بإتاحة التذاكر عبر المنصة الإلكترونية التي خصصتها إدارة المعرض للحجز ومنحها للزائرين.

المشكلة الأساسية في قرارات الوزارة الأخيرة أنها لا تجيد تسويقها بالشكل الجيد لتعريف المواطنين بها، لأنها لم تنظم حملة دعائية قبل انطلاق فعاليات المعرض كما هو الحال في سنوات ماضية، في حين أنه كان من المفترض تكثيف الإجراءات الترويجية هذا العام، لأنه يُعقد في فصل الصيف في مخالفة لتوقيته الأساسي مع بداية كل عام، أي في فصل الشتاء، وهو ما يجعل الإقبال كبيرا.

لم تهتم الجهات المشرفة على المعرض بأن يكون هناك كرنفال ثقافي يجذب الجمهور، وطغى مصطلح “الدورة الاستثنائية” على كافة القرارات المرتبطة بتنظيمه، وهو ما دفع المواطنين والمثقفين إلى التخوف من الحضور، بالرغم من أن الكثير من الفعاليات الثقافية والفنية يجري تنظيمها في مصر بشكل شبه طبيعي، ولم تكن هناك دراسة جيدة للأوضاع الصحية مع انحسار الإصابات بفايروس كورونا في هذا التوقيت.

وجد القائمون على المعرض أنفسهم في مأزق لأن تحوّله إلى سوق ترفيهية بالنسبة إلى العديد من المواطنين كان يغطي على تراجع نسب المبيعات في السنوات الماضية، في حين أن العام الحالي لم يجذب المعرض قطاعات واسعة من الكتاب والمثقفين الذين كان ينصبّ تواجدهم داخل الفعاليات الفنية والثقافية التي ينظمها المعرض.

فقدت هذه الدورة السمة الرئيسية التي كان يتمتع بها باعتباره ملتقى للكتاب والنخب من كافة الدول العربية، ولم يجد الكثير من الكتاب الأجواء الملائمة التي تشجعهم على التواجد لفترات طويلة داخله، كما كان الحال في السنوات الماضية، ولم تستطع وزارة الثقافة أن تسلط الضوء على الفعاليات التي نظمتها افتراضيا عبر منصات المعرض.

ويشير مدير دار رؤية للنشر رضا عوض إلى أن سوء التنظيم تسبب في غياب المثقفين الحقيقيين عن المعرض لأن عددا كبيرا ممن ارتبطوا بالمعرض لسنوات طويلة ويشكلون القوة الشرائية الفاعلة له غابوا هذا العام بسبب الحجز الإلكتروني وعدم إجادتهم التعامل مع الوسائط الإلكترونية بشكل كبير، في حين أنه كان يمكن أن يجري تنظيم عملية الدخول بشكل لا يؤدي إلى تزاحم المواطنين.

ويضيف في تصريح لـ“العرب” أن “إدارة المعرض اتخذت قراراتها دون التشاور مع دور النشر وكان من المفترض أن يكون هناك حوار واسع للوصول إلى أفضل الحلول التي تراعي كافة الأوضاع المحيطة به، وهناك الكثير من الدور قد لا تتمكن من تغطية نفقاتها نتيجة الخلل الذي حدث في آلية الحجز، لأن تشديد الإجراءات الاحترازية المتبعة داخل المعرض تسهم في الحدّ من وقوع أزمات صحية”.

جذب الشباب

Thumbnail

هناك أزمة اقتصادية حادة لا يمكن تجاهلها أثرت سلبا على معرض القاهرة هذا العام، ويدور صراع بين دور نشر تسعى إلى تعويض خسائرها التي تعرضت لها خلال أكثر من عام ونصف العام، وبين مواطنين لديهم أولويات أخرى قبل أيام من حلول عيد الأضحى، وفي وقت تبدأ فيه امتحانات الثانوية العامة (البكالوريا) التي تشكل هاجسا للكثير من الأسر المصرية.

وحاولت وزارة الثقافة التعامل مع هذه المشكلة عبر طرح مبادرة “ثقافتك كتابك” لبيع الكتب بأسعار لا تتجاوز 20 جنيها (دولار ونصف تقريبا)، وخصصت ركنا لعرض هذه الكتب وبيعها، لكن ذلك لم يحلّ أزمة دور النشر التي تعول على الباحثين والنخب الثقافية الذين يقصدونها كل عام لشراء الكتب الجديدة التي تطرحها، كما أن طرح كتب بأسعار زهيدة يؤثر سلبا على معدلات البيع في الكثير من دور النشر التي لا تستطع مواكبة هذه العروض.

ويشير رضا عوض إلى طريقة حجز التذاكر وتوفير كتب زهيدة الثمن جعل جمهور الشباب يتصدّرون المشهد في المعرض هذا العام، كما أن الروايات التي طرحها الشباب هي الأكثر جاذبية للفئات التي حضرت، وقد يكون ذلك عاملا إيجابيا لجذب طلاب المدارس والجامعات إلى الفكر والمعرفة لكنه يشكل عاملا سلبيا في الوقت ذاته لأن الكاتب الحقيقي قد يجد صعوبة في تسويق أعماله.

طريقة حجز التذاكر وتوفير كتب زهيدة الثمن جعل جمهور الشباب يتصدّرون المشهد في المعرض هذا العام

ويشارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام 1218 دار نشر وجهات رسمية مصرية وأجنبية و823 ناشرا و295 توكيلا من 25 دولة في المعرض، بينها دول عربية عدة، هي: الإمارات والسعودية والأردن ولبنان واليمن وفلسطين والبحرين وسوريا والعراق والكويت والسودان وليبيا والمغرب وتونس والصومال.

وتؤكد سارة إبراهيم مؤسسة جروب “بوك مارك” على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك أن هناك جملة من الدوافع أوجدت نوعا من الاهتمام لدى فئات عمرية مختلفة لزيارة المعرض هذا العام، مع وجود منصات عديدة تقدم معلومات عن الكتب التي تستهوي تلك القطاعات، إلى جانب زيادة خدمات “الأونلاين” التي توفرها حاليا الكثير من دور النشر والمكتبات، مثل الشحن وعرض الكتب على منصتها، ما سهل من عملية الوصول للكتاب الذي تبحث عنه بسهولة أكثر، وبالتالي من الطبيعي أن يتزايد تواجد الشباب الذين يجيدون التعامل مع التطورات الإلكترونية.

وتفاعلت مع المعرض قطاعات واسعة من شباب المثقفين مع المنصة التي تديرها سارة إبراهيم، وتعدّ بمثابة وسيلة ترويجية للمعرض من خلال حرص الكثير من المشتركين فيه على سرد تجاربهم مع زيارة المعرض وتقديم نبذة مختصرة عن الكتب التي قاموا بشرائها، وهو ما يشكل حافزا لم تستطع الجهات الرسمية تحقيقه نتيجة المشكلات التسويقية التي وقعت فيها منذ بدء التحضير لفعاليات المعرض.

وتوضح إبراهيم في تصريح لـ“العرب” أن “الظروف العامة المحيطة بالشباب ساهمت في إقبالهم على روايات الخيال، وبات هناك ذوق عام في التوجهات نحو قراءة الروايات أكثر من الكتب الأخرى، ومنحت مخاوف كبار السن من فايروس كورونا فرصة لتقدم الشباب هذا العام، وإن كان المعرض يتردد عليه جمهور من أعمار مختلفة”.

رغم الأخطاء التي وقع فيها معرض القاهرة الدولي للكتاب، غير أن انعقاده في حدّ ذاته يمثل تحديا للظروف التي فرضها كورونا، ويوحي بأن وزارة الثقافة حريصة على استمرار هذا الحدث وعدم التخلف عنه مهما كانت الظروف قاسية.

Thumbnail
17