معرض القاهرة الدولي للكتاب في يوبيله الذهبي

دورة المخاوف والتحديات والعمل المضاعف في سبيل تحقيق طفرة في نشاطاته وخدماته وبرامجه التثقيفية والتسويقية وسط انتقادات الكتاب والناشرين.
الجمعة 2019/01/11
بعد خمسين دورة تغيب كتب الأزبكية هذا العام

يعد معرض القاهرة الدولي للكتاب الحدث الثقافي الأبرز في مصر، والتظاهرة السنوية الأوسع نطاقًا منذ انطلاقه في العهد الناصري عام 1969 في احتفالية القاهرة بعيدها الألفي. وهذا العام يحتفل المعرض في دورته الـ50 بيوبيله الذهبي وسط تغييرات تشهدها فعالياته وتنظيمه، ما أدى إلى ظهور بعض المخاوف من قبل المثقفين والكتاب والناشرين على حد سواء.

القاهرة - تبذل مصر جهودا مضنية لكي يستعيد معرض القاهرة الدولي للكتاب حضوره ومكانته في دورته الخمسين التي تنطلق في 23 يناير. وفي حين تعد الجهة المنظمة بحدث ثقافي استثنائي يليق بتاريخ المعرض الأعرق في الشرق الأوسط في يوبيله الذهبي، فإن مثقفين وناشرين التقتهم “العرب” يفصحون عن تخوفاتهم المشروعة وأمنياتهم المنشودة خلال المعرض.

ولا يزال المعرض الفعالية الأكثر جماهيرية في البلاد، على الرغم من تراجعه النوعي خلال السنوات الماضية، وقد شهده قرابة 4.5 مليون زائر في آخر دوراته في مطلع 2018. وفي دورته الـ50 الجديدة، يواجه المعرض جملة من التحديات بكل المقاييس في سبيل تحقيق طفرة في نشاطاته وخدماته وبرامجه التثقيفية والتسويقية.

الرهان الصعب

يأتي الرهان الأصعب لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة هيثم الحاج علي، في دورته الخمسين (23 يناير – 4 فبراير)، منعقدا على الآليات الكيفية، وليس على الزخم الكمّي، فدورة اليوبيل الذهبي تأخذ على عاتقها تحسين صورة المعرض لكي يضاهي في قيمته وتأثيره المعارض العالمية مثلما كان الحال في الماضي، وهذا يتأتى بجهود فنية نوعية، وليس بزيادة أعداد الناشرين وعناوين الكتب ومسمّيات الأروقة والأجنحة والفعاليات.

تبدو الدورة الجديدة للمعرض ذات أهمية خاصة، فهي من جهة دورة اليوبيل الذهبي، وتنعقد في أرض المعارض بالتجمع الخامس (شرق القاهرة) للمرة الأولى في تاريخ المعرض، وهي منطقة نائية تقع في منطقة القاهرة الجديدة، ويصعب انتقال الجمهور إليها بوسائل المواصلات الاعتيادية، الأمر الذي يتطلب استعدادات مضاعفة وخدمات إضافية في النقل والتنظيم.

هناك مؤشرات أولية رسمية لإيلاء المعرض درجة عالية من الاهتمام تفوق المألوف خلال الأعوام القليلة الماضية، فقد أسندت رئاسة اللجنة التنظيمية للمعرض في إجراء غير معتاد إلى وزيرة الثقافة إيناس عبدالدايم، لتتابع بنفسها تشكيل لجان المعرض الفرعية وأدائها.

كتّاب وناشرون يقدمون تطلعاتهم ومطالبهم بشأن المعرض، الذي يعد واحدا من أبرز تجليات القوى الناعمة المصرية

أعرب المثقفون والناشرون عن متطلباتهم المأمولة في معرض القاهرة للكتاب، وطرحوا في حديثهم لـ”العرب” نقاطا جديرة بالمراعاة والاهتمام.

وكانت جملة من الانتقادات والتخوفات قد برزت مبكرا، حول تشكيل لجان المعرض وأسماء المشاركين فيها من جهة، وإقامة المعرض في منطقة بعيدة من جهة ثانية. وأبدى البعض توجّسا من تكرار أخطاء الدورات السابقة، من حيث سوء التنظيم وضعف البرنامج الثقافي والفني وغياب الأسماء المهمّة والفاعلة وتفاقم شكاوى الناشرين من الروتين الإداري وتزوير الكتب والتلفيات الطارئة بسبب الأمطار وغيرها.

ويُذكر أن الاختيار قد وقع على جامعة الدول العربية لتكون ضيف شرف المعرض في دورته الخمسين، كما اختير الكاتب ثروت عكاشة وزير الثقافة الأسبق، والكاتبة سهير القلماوي (أول مشرفة على معرض القاهرة للكتاب) ليكونا شخصيتي المعرض.

تغييرات ومخاوف

دورة اليوبيل الذهبي تأخذ على عاتقها تحسين صورة المعرض لكي يضاهي في قيمته وتأثيره المعارض العالمية
دورة اليوبيل الذهبي تأخذ على عاتقها تحسين صورة المعرض لكي يضاهي في قيمته وتأثيره المعارض العالمية

شكلت هيئة الكتاب عددا من اللجان الثقافية والفنية والإعلامية للإعداد للمعرض، فضلا عن لجنتي الشباب والطفل، وتجاوز أعضاء هذه اللجان 90 اسما، ومنهم الكثيرون من غير المختصين، ومن ذوي القدرات المحدودة والخبرات المتواضعة، الأمر الذي أطلق موجة اعتراضات بمجرد الإعلان عن هذه القوائم، وفتح شهيّة المشككين في رغبة إدارة المعرض في إحداث تطوير نوعي حقيقي.

ويشير الكاتب شوكت المصري، المشرف العام على الفعاليات وعضو اللجنة العليا للمعرض، إلى استيفاء هذه اللجان سمات التنوع في المجالات والاهتمامات وتمثيلها كافة الأجيال بهدف منح الفرصة للشباب.

ويقول لـ”العرب” “انتظروا دورة استثنائية بكل المقاييس، وليكن التقييم بالأداء وليس بالأسماء. هناك دور حقيقي للشباب في المعرض، وهناك محور ثقافي خاص لمناقشة كتابات الشباب وقراءاتهم، ومنهم من يحققون أعلى المبيعات في سوق الكتب بمصر الآن”.

ويرى المصري أن قلق المراقبين أمر طبيعي ومشروع، فهذه “دورة المخاوف والتحديات والعمل المضاعف، من أجل تقديم كل ما هو جديد ورصين وقيّم”. ويوضح أن التغلب على مشكلة الانتقالات أمر هيّن، بتوفير مواصلات مجانية للمعرض من مختلف ميادين القاهرة ومداخلها، فضلا عن الانتقالات في ساحة المعرض، وتطوير سائر الخدمات الأخرى من أمكنة للانتظار ومطاعم وكافيتيريات ومتنزهات وحدائق ودورات مياه وشبكات واي فاي وغيرها، مما كان محل شكوى في الأعوام الماضية.

ويؤكد شوكت المصري وجود تنظيم محكم وبرنامج ثقافي معد بعناية، بما يعيد الأسماء الثقافية المرموقة إلى ندوات المعرض وأمسياته الشعرية، وإلى “الصالون الثقافي” المستحدث على مدار 3 ساعات يوميّا لمناقشة القضايا المحورية والظواهر الأدبية الجادة بحضور مصريين وعرب وأجانب.

ومن بين الذين تم توجيه الدعوة إليهم لحضور المعرض، اللبنانيون بول شاؤول وعباس بيضون ووديع سعادة، والسعودي عبدالله الغذامي، والمغاربة محمد بنيس وعبدالفتاح كيليطو ومحمد الأشعري، والتونسية رجاء بن سلامة، والكويتية سعدية مفرح، والسوداني أمير تاج السر، والفلسطيني فيصل دراج، إضافة إلى عدد من المستشرقين البارزين ومن الحاصلين على جائزة نوبل في الأدب، وجائزة مان بوكر الدولية.

في الدورة الجديدة المعرض يواجه مجموعة تحديات بكل المقاييس في سبيل تحقيق طفرة في نشاطاته وخدماته وبرامجه

ويحتوي المعرض في موضعه الجديد 4 قاعات، كل قاعة مساحتها 10 آلاف متر، ولا يوجد أي عرض مكشوف للكتب، وتوفرت الحماية والضمانات الكافية للمعروضات، بما يحميها من التلف والتضرّر.

وأدى هذا الإجراء إلى إحجام بائعي “سور الأزبكية” عن المشاركة في المعرض، وغياب الكتب الرخيصة والنادرة والقديمة للمرة الأولى، بعد رفع أسعار الاشتراك في المعرض.

وسيتم الاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة، وتوفير مترجمين إلى لغة الإشارة في كل الفعاليات، والتركيز على أنشطة الطفل، والتنسيق مع شركة راعية لتنظيم المعرض وتسويقه تجاريّا، على غرار المعارض العالمية الكبرى، ومد نطاق حفلات توقيع الكتب بالتعاون مع دور النشر، وتوسعة نطاق العروض المسرحية والسينمائية وحفلات الأوبرا والفنون الشعبية والسيرك القومي، ومعارض الفن التشكيلي، وتفعيل خدمة مبادرة “أنا متطوع من أجل الثقافة ومن أجل مجتمع أفضل” التي يسهم فيها الشباب، ومبادرة “الأفكار الذهبية في مجالات الابتكار المختلفة”.

ويريد المعرض زيادة أعداد الدول المشاركة والناشرين والكتب، ويأمل في أن يصل عدد المبدعين والكتّاب والمفكرين والأكاديميين المشاركين في الأنشطة الثقافية إلى أربعة آلاف فرد من سائر الأرجاء، لتقديم صورة مشرفة لمصر.

مطالب المثقفين والناشرين

الشعار الرسمى لمعرض القاهرة الدولى للكتاب 2019
الشعار الرسمى لمعرض القاهرة الدولى للكتاب 2019

يطرح المثقفون والناشرون تطلعاتهم ومطالبهم بشأن المعرض، الذي يعد واحدا من أبرز تجليات القوى الناعمة المصرية.

وتقول الكاتبة والناقدة هويدا صالح في تصريح لـ”العرب” “ننشد أن يبلور الحدث الوجه الحضاري للثقافة المصرية في خصوصيتها من ناحية، والثقافة العربية كإطار ثقافي تنتمي إليه الأمة المصرية من ناحية أخرى”.

وتشير صالح إلى ضرورة الاهتمام بالجانب التسويقي والدعائي أيضا، واستقطاب شرائح من غير المهتمين بالقراءة، قائلة “أرجو أن يترجم المعرض أحدث ما تطرحه الدراسات الثقافية في العالم، من حيث الاهتمام بالصناعة الثقافية بالمعنى الواسع”.

وثمة أمر لم تشر إليه إدارة المعرض بصدد حديثها عن تطويره، وهو موقف المعرض من قضايا الحريات، والديمقراطية، والحراك السياسي، والهيئات والكيانات المستقلة، والمنظمات الحقوقية، وعما إذا كان صدره سيتسع لأصحاب الآراء والتوجهات المختلفة عن المنظومة الرسمية أم سيستمر في تجاهلهم كالدورات الماضية؟

ويرى البعض من الكتاب أن النظرة إلى المعرض من زاوية أمنية بحتة، في اختيار مكانه، وترتيب ندواته، ودعوة ضيوفه، أمر لا يليق بمثقفي مصر، لأن هذه الرؤية لا تناسب الزمان الذي لم يعد بوسع أحد فيه أن يمنع تدفق الأفكار.

وطالب هؤلاء بعدم اقتصار ضيوف شرف المعرض على الشخصيات والمؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية، فثمة مؤسسات أهلية لها دور بارز في التاريخ الاجتماعي لمصر، وشخصيات ثقافية لها موقف مناهض للاستبداد والفساد.

المعرض يسعى إلى زيادة أعداد الدول المشاركة والناشرين والكتب، ويأمل في أن يصل عدد المبدعين والكتّاب والمفكرين والأكاديميين إلى أربعة آلاف فرد

ويأخذون على مسؤولي وزارة الثقافة تحويل المعرض إلى سوق، لأن هناك فرقا بين أن يوفر المعرض خدمة الترفيه لرواده، وما يلزمهم من مأكل ومشرب، وبين أن يكون أشبه بمتنزه، على هامشه كتب، فالأصل هو الكتاب، وما عداه يبقى خادما له، وليس العكس.

واقترحوا تخصيص ندوات لقضايا مجتمع المعرفة والاقتصاد الرقمي والفجوة التقنية، وما لم يتم الالتفات إلى ذلك سوف تزيد الهوّة بين مصر والعالم، ويصبح وجودها المعرفي والثقافي مهددا.

ولا تقتصر قضايا الحريات على البرنامج الثقافي فقط، فهي أولوية من أولويات الناشرين أيضا، الذين يطمحون إلى المزيد من الحرية، ومنع مصادرات الكتب، وإزالة العقبات والروتين، وتسهيل حركة انتقال الكتب، ووقف طوفان تزوير الكتب واستنساخها.

وتعقد الناشرة فاطمة البودي آمالا على الدورة الجديدة لمعرض القاهرة للكتاب، من أجل تفعيل الإدارة المرنة التي لا تكتفي بالتصريحات والشعارات.

صناعة ثقافية ثقيلة وبوابة للتنوير
صناعة ثقافية ثقيلة وبوابة للتنوير

وتقول لـ”العرب” “هناك الكثير من الإجراءات تستلزم تطوير المعرض، على رأسها الحرية، بمعناها الواسع والحقيقي، وحماية الكتاب، وملاحقة المزورين، وتوفير الدعاية اللازمة، وتأمين انتقالات الزوّار بسلاسة”.

معرض القاهرة للكتاب ليس مجرد كرنفال أو تظاهرة هشة، لكنه صناعة ثقافية ثقيلة، وبوابة للتنوير، وهذا ما يجب أخذه في الاعتبار عند الحديث عن إمكانية تفعيله وتطويره، ليتبوأ مكانته المحلية والعربية والعالمية المنشودة.

ويرى الكاتب سمير الفيل أن البرنامج الثقافي منوط به ربط مهنة الكتابة بأمرين: السوق، وقفزات التكنولوجيا، ويقول لـ”العرب” “يجب أن تقل أسعار إيجار الأرضية، بحيث لا ترهق العارضين، ليصير الكتاب في متناول الجميع”.

ويشدّد على أن الجانب الفكري ضروري وملح، فالمعرض فرصة لمناقشة القضايا المصيرية لرفض الخرافة ومقاومة النزعات الدينية المتشددة، كما ينبغي الالتفات إلى الجانب المعرفي والمعلوماتي بشكل أكثر عمقا ووعيا، ونشر الثقافة العلمية بدعم من الدولة.

ويتحفّظ الفيل على اختيار جامعة دول العربية، كضيف شرف المعرض، قائلا “كنت أتمنى أن يكون الحضور لدولة متقدمة في مجال الثقافة والفنون لتحدث عملية المثاقفة، والتعرف الواسع على عطاءات عظيمة من دول لا نعرف عنها الكثير”.

15