معرض الكاريكاتير السوري يكرم الشاعر محمد الماغوط

الدورة السادسة عشرة من المعرض الدولي السوري لفن الكاريكاتير تقدم أكثر من مئة لوحة فنية كان معظمها باللونين الأسود والأبيض لفنانين من واحد وسبعين جنسية.
الخميس 2020/03/12
محمد الماغوط الشاعر المتمرد

ولد الكاريكاتير كفن البسطاء، ووجد فيه كل من المبدعين والمتلقين وسيلة هامة للتواصل في ما بينهم، فوجد فيه الرسامون منبرا لتقديم أفكار إنسانية عميقة بأسلوب بعيد عن التكلف وقواعد الرسم الكلاسيكي التقليدي بمدارسه المعروفة. والانعطافة الكبرى في تاريخ هذا الفن هي التحامه بكل ما هو ثقافي بروح متمردة.

بعد ذيوعه وجد فن الكاريكاتير طريقه للصحافة الساخرة فتصدى للتيارات السياسية المختلفة في أوروبا وأميركا، وسخر من حكومات وقادة سياسيين وزعماء وتخصصت به صفحات ومجلات.

ومع الاحتكاك الحضاري بين أوروبا والعالم العربي وصل فن الكاريكاتير إلى سوريا في بدايات القرن الماضي مع وجود العديد من المجلات التي اعتمدت عليه في تكريس أفكار صحافية، فكان يقدم فيها على التوازي مع مقالات صحافية، فظهر في مجلات منها: حط بالخرج والراوي واسمع وسطح وجحا، وهي مجلات صدرت بين عامي 1909 و1910. وكثيرا ما عانت هذه المجلات من عقبات المنع من النشر أو الإغلاق نتيجة العراقيل الكثيرة التي كانت تفرضها السلطات العثمانية المحتلة في حينه.

 مع مرور الوقت صارت لفن الكاريكاتير في سوريا مكانة أهم مع وجود الحكم الوطني بعد الاستقلال عام 1946. فحظي حينها فن الكاريكاتير بالكثير من الاهتمام الرسمي والشعبي وصدرت العديد من المجلات والصحف المختصة به، منها: السهم والخازوق والعفريت والكرباج. وكذلك المجلة الأهم “المضحك المبكي” التي كانت لها شهرة كبيرة.

 وبعد ذلك بسنوات دخل فن الكاريكاتير في حالة من الركود وفقد مكانته في شكل الصدور بمجلات مختصة نتيجة ظروف وتبدلات سياسية جوهرية حدثت في عموم سوريا. وصمدت محاولات فردية محدودة للعديد من الفنانين الذين كانوا ينشرون رسوماتهم في الصحف اليومية السورية فظهر فنانون متميزون أمثال علي فرزات وعبدالهادي الشماع وعبدالله بصمه جي وخالد جلل ورائد خليل، وغابت تماما المجلات الساخرة في سوريا حتى جاء أول عام 2011 حيث أسس بدمشق الفنان علي فرزات جريدة “الدومري”، التي شكلت حالة صحافية هامة في تاريخ سوريا الصحافي واستمرت بالصدور لمدة تقارب الثلاث سنوات ثم ما لبثت أن اصطدمت بالأجهزة الوصائية الرسمية الأمر الذي أدى إلى إغلاقها.

وفي ملمح جديد وعصري يدخل فن الكاريكاتير في سوريا عام 2005 مرحلة جديدة، عندما أوجد الفنان رائد خليل تجربة إقامة المعرض الدولي السوري لفن الكاريكاتير في دورته الأولى، والذي كان من أهدافه التوجه نحو آفاق عالمية في فن الكاريكاتير، وهو المعرض الذي يتسم بوجود مسابقة دولية تضم العشرات من الجنسيات وعددا كبيرا من الفنانين بلغ في هذه الدورة الخمسمئة وصار المعرض والمسابقة التي يتضمنها إحدى الفعاليات الدولية الهامة على مستوى العالم.

أخيرا انطلقت الدورة السادسة عشرة من المعرض الدولي السوري لفن الكاريكاتير في الثامن من شهر مارس الجاري في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة فنانين من واحد وسبعين جنسية قدموا مئة لوحة بالتعاون مع أكثر من خمسمئة فنان.

غابت تماما المجلات الساخرة في سوريا حتى جاء أول عام 2011 حيث أسس بدمشق الفنان علي فرزات جريدة "الدومري"، التي شكلت حالة صحافية هامة في تاريخ سوريا الصحافي

أهديت هذه الدورة إلى الكاتب والشاعر السوري الشهير محمد الماغوط الذي عرف بتقديم الأدب الساخر المعروف بنقده السياسي والاجتماعي بأسلوب لاذع في نصوصه، حيث كتب مسرحيات كوميدية قدمها الفنان دريد لحام، مثل مسرحية “ضيعة تشرين أولا” وبعد أعوام المسرحية الشهيرة “غربة” ثم “كاسك يا وطن”، وفي ما بينها مسلسلات تلفزيونية منها “وادي المسك” و”وين الغلط”، كما قدم الماغوط مسرحية “خارج السرب” التي كانت من إخراج وبطولة الفنان جهاد سعد.

وقدمت في المعرض مئة لوحة فنية كان معظمها باللونين الأسود والأبيض والبعض الآخر ملونا، ظهرت فيها مجموعة بورتريهات للكاتب الكبير محمد الماغوط الذي رسمه الفنانون بأشكال مختلفة تراوحت بين استخدام اللونين الأسود والأبيض حينا والألوان حينا آخر، التي وصل البعض منها لمقاربة شكل الملصق الإعلاني، كما ظهرت في المعرض بشكل واضح لوحات تبين حالة القناع الذي يخفي بعض الناس وراءه عواطفهم الحقيقية ومشاعرهم التي يخفونها عن المحيط، وهي الثيمة التي اعتمدها المعرض موضوعا له في دورته الأحدث، فظهرت لوحات حاكت الفكرة وقدمتها بأشكال اجتماعية وسياسية محلية ودولية، فحضرت شخصيات عالمية منها هتلر وترامب والمستر بن. وكما العادة كان تفاعل جمهور فن الكاريكاتير مع المعرض واضحا، وباتت علاقتهما مؤكدة بحدث سنوي تنتظره شريحة واسعة من المهتمين بهذا الفن.

وعن الدورة الأحدث للمعرض والمسابقة يقول رائد خليل لـ”العرب” “منذ البداية كان توجه المعرض أن ينفتح على آفاق دولية وأن يتفاعل معه فنانون يمثلون أوسع طيف من الفنانين العالميين، وبعد جهد ووقت استمرا لسنوات طوال تحقق هذا الطموح وصار رصيد المشاركين في المعرض ما يقارب الخمسمئة فنان من واحد وسبعين جنسية. يمثلون مدارس فنية مختلفة. كما أن المسابقة صارت إحدى الفعاليات العالمية الهامة في موضوع معارض الكاريكاتير”.

وعن إهداء الدورة لشخصية الكاتب محمد الماغوط يبيّن خليل “منذ فترة ونحن نسعى في المعرض لأن نكرم في كل دورة شخصية ساهمت في رفد الحياة الثقافية السورية والعربية بالجديد والمتميز، ولا شك أن شخصية محمد الماغوط ستكون صاحبة مكانة هامة، فهو شاعر ومسرحي ومفكر كبير، له إسهامات كبيرة في مجالات أدبية عديدة، شكل صوتا شعريا خاصا به ومسرحه الكوميدي الساخر لا مثيل له وهو معروف على مستوى العالم العربي كله، في تسمية الدورة باسم الماغوط رد جميل ولو بسيط تجاه هذه القامة الأدبية الشامخة”.

16