معرض الكتاب التونسي و"الجريمة" في حق الشعر

الدكتاتورية تبدأ من حجب صوت الشاعر، ومن بعده سيكون حجب المغني ثم المسرحي ثم السينمائي ثم الرسام والراقص والعازف، كل من لا يتلاءم مع منظومة هؤلاء، يحجب بشكل “عقابي” مبتسم ببرود.
الجمعة 2019/04/05
يعاقبون الشعراء والشعر

تنطلق الجمعة الدورة الـ35 من معرض تونس الدولي للكتاب، دورة مختلفة عن سابقاتها، خاصة من حيث محاولة “لملمة الفوضى” وعدم قبول دور نشر الكتب الصفراء، وتركيز فعاليات المعرض و“تشذيبها” بحيث يكون الكتاب وكل ما يتعلق به من فعاليات ثقافية وجها لتونس الحرة بعد ثورة الحرية والكرامة التي خاضها شبابها، ومازالت إلى اليوم تخطو، ولو ببطء وصعوبة، في مسار ديمقراطي يقطع مع الاستبداد.

دورة هذه السنة خاصة من حيث البرنامج الثقافي مختلفة، حيث جاء البرنامج بفعاليات أقل، وتم الاستغناء عن استضافة دولة كـ”ضيف الشرف”، ووقع التخفيض في عدد الضيوف والمشاركين من تونس وخارجها.

ربما يعود ذلك إلى رؤية منظمي المعرض في تمش له مساران، أولهما التقشف وثانيهما النشاطات المركزة. وهذا مفهوم، لكن بمجرد تفحص، ولو سريع، للبرنامج، سنلاحظ ما خفي من توجهات منظمي هذه الدورة.

في العادة كل تظاهرة ثقافية أو فنية تقول صراحة أو تشي من خلال برنامجها بتوجه ما، وما نلاحظه في برنامج معرض تونس الدولي للكتاب، هو التصريح عاليا من المنظمين بفكرة المعرض الأساسية وما يدور حولها صادحين بمسألة “الحريات الفردية والمساواة”، التي تتركز حولها أغلب الأنشطة، لكن ما هو خفي وجلي في نفس الوقت، هو تغييب الشعر والشعراء.

بعد الثورة التونسية التي وهبت المبدعين الحرية، وكسرت حاجز الصمت وطوق الاستبداد، كان المبدعون في الصف الأول، مدافعين شرسين عن الحرية الوليدة، دافعوا عنها في الثورة وبعدها زمن سيطرة الإسلاميين وانتشار المتشددين في الشوارع، مبدعون على خشبات المسارح، ومن خلال كاميراتهم أو لوحاتهم، ومبدعون بالغناء وآخرون بالكتابة، وخاصة الشعر.

الشعر كان في صدارة مشهد الحرية، طامحا إلى خلق نص مختلف، والدفع أكثر باتجاه المناطق التي عتّم عليها النظام السياسي، وتجاهلها الجامعيون المختبئون خلف أسوار الجامعات.

هؤلاء الجامعيون أنفسهم هم اليوم من قفز إلى الصدارة، وعوض أن يمدوا يدا إلى إصلاح العلاقة مع المبدعين لتحقيق مسار أفضل في طريق التحرر الطويل، هاهم يديرون ظهورهم ويعاقبون أول من وقف ليصدح بصوت مكشوف ضد الظلام، يعاقبون الشعراء والشعر.

بداية وقع إلغاء جائزة الشعر من معرض الكتاب بقيادة الجامعي شكري المبخوت، وهي خطوة عمياء أن يحجب الشعر من جوائز الأدب الممنوحة للترجمة والقصة والرواية والدراسات الفلسفية، أما الشعر فهو ربما نوع من الأسماك، ثم هاهو السيد مدير المعرض رفقة أصدقائه يلغي الشعر أصلا من المعرض، مكتفيا بندوة أو اثنتين باهتتين، ربما هذا من باب التركيز على المحاضرات أكثر، لكن نظرة أخرى للبرنامج، وسنجد عددا من الأمسيات القصصية، أي نعم من حق القصاصين والقصة التونسية المميزة أن يكون لهم حضورهم الفاعل، لكن أن تعوض أمسيات الشعر بأمسيات للقصص، فهذا يثير التعجب والريبة.

الشعراء الشكاؤون البكاؤون، “بائعو الريح للمراكب”، الشتّامون السكيرون المتشائمون الهجاءون، الجوالون في الشوارع الخلفية والمقاهي والحانات والأرصفة والحقول البعيدة، الشعراء المحبون الكارهون المتحررون المنقلبون، المثقفون الجهلة، السائرون على وجوههم، المثقلون بهاجس قصيدة أو مكان يحتويهم، الشعراء هؤلاء بكل وجوههم المتناقضة والتي لا تحصى، تتغير بتغير كل فرد منهم، هم في النهاية يجتمعون على معطى، هو عدم القولبة والطموح إلى الحرية والسعي إليها ورفض الاستبداد والوقوف ضد أي سلطة تحاول احتكار الناس.

بكل مساوئ الشعراء كأشخاص، فإنه لا يمكن للمبخوت أو غيره من الجامعيين إلغاء الشعر، أي نعم حجب هو وأصدقاؤه الشعراء التونسيين من الدرس الجامعي، وأغلقوا على أنفسهم جيدا باب المؤسسة الأكاديمية حتى لا يدخلها ضوء جديد يعد بالفيضان والتغيير، لكنهم لن يحجبوا صوت الشاعر الذي يبقى تحت الشمس مكشوفا بكل تناقضاته، عاريا وبلا جهة إلا إلى الإنسان.

يرقى ما يفعله منظمو المعرض إلى مرتبة الجريمة التي يقترفها أشخاص ودودون في الظاهر، ضاحكون باسمون، فيما داخل كل واحد منهم دكتاتور صغير، إنهم أشبه بدمية روسية، دكتاتور وسطه دكتاتور أصغر وسطه دكتاتور آخر أكثر صغرا، وهكذا إلى آخر نقطة.

لا أغالي إن قلت إن الدكتاتورية تبدأ من حجب صوت الشاعر، ومن بعده سيكون حجب المغني ثم المسرحي ثم السينمائي ثم الرسام والراقص والعازف، كل من لا يتلاءم مع منظومة هؤلاء، يحجب بشكل “عقابي” مبتسم ببرود.

لا فصل بين السياسي والثقافي، لكن أن يغلب السياسي على الجانب الثقافي فهذا سيؤدي حتما إلى الضحالة، ضحالة يؤكدها مدى شخصية القرارات والفعاليات التي من المفترض أن تكون بمنأى عما هو شخصي ضيق، وهو ما نشهده اليوم في تونس، حيث البلاد غارقة في شخصنة غريبة بلغت حد شخصنة الهواء والماء.

يتهم الجامعيون الشعراء بأنهم قليلو ثقافة، وغير فاعلين ثقافيا، وبأنهم فقط ذوات مريضة همها الخمر والنميمة، وهذه فعلا تهم سطحية للغاية، لا تسعى إلا إلى تشويه ما يشذ عن منهجهم الثقيل ولو بحجج أخلاقية في الدرجة صفر لمفهوم الأخلاق. كما لم تقدر الجامعة على مجاراة نسق الإبداع فحادفت ظهره بحصى كلامي من هذا النوع.

عوض أن تكون هناك علاقة تكامل، علاقة اختلاف والتقاء، يثريان المشهد الأدبي والثقافي عموما، للتأسيس إلى مشهد اجتماعي وتآلف ومتنوع وثري ثراء بلد عريق مثل تونس، ها نحن نجد الإلغاء فيما يشبه القتل، لكن الإبداع لا يموت بموت المبدع وتغييبه، وأرى أنه كلما اشتد الخناق على الشعراء سيكون ذلك أفضل، حتى يتراخى ضعيفو النفس ويواصل الأجدر المسير، أقل عددا وأكثر حبا.

14