معرض الكتاب في تونس يكرّم المفكر هشام جعيط

الأربعاء 2015/04/01
تكريم مستحق في معرض تونس للكتاب

ينتمي المفكر الكبير هشام جعيط المولود عام 1935، بالعاصمة التونسية إلى وسط عائلي محافظ، مكتسب لثقافة دينية عتيدة، ومتـأصّلة في الثقافة العربية الإسلامية. وخلافا لما جرى عليه الأمر بالنسبة لأبناء العائلة الكبيرة الذين كانوا يوجّهون إلى التعليم الديني، انتسب الطفل هشام إلى المدرسة الصادقية ليتعلم اللغة الفرنسية مبكرا. وهذا سيساعده في ما بعد على اكتساب معرفة عميقة بالثقافة الفرنسية في مختلف عهودها.

في مطلع شبابه، وبسبب ولعه بالثورة الفرنسية، وبفلاسفة الأنوار، شرع هشام جعيط يبتعد شيئا فشيئا عن الوسط المحافظ الذي ينتمي إليه. وقد أحدث اكتشاف الفلسفة منعرجا في حياة الشاب هشام جعيط الذي كان آنذاك في الثامنة عشرة من عمره.

وفي ذلك يقول “كان اكتشافي للفلسفة أمرا حاسما، وكان بمثابة الفتح والتجلي، ولست أعني بذلك الميتافيزيقا فقط، وإنما أيضا علم النفس، والأخلاق، والمنطق. عندئذ بدأت تذوب عندي بديهيات أساسية، وفي الآن نفسه، اكتشفت علم البيولوجيا، ونظرية التطور، وهذا كله أثار إعجابي واندهاشي في نفس الوقت”. وعندما سافر إلى فرنسا لمواصلة تعليمه العالي في دار المعلمين العليا، لم يهتم هشام جعيط بالسياسة، بل بالفكر.

ولم يكن عظماء الرجال بالنسبة إليه الغزاة، ومؤسسي الدول والإمبراطوريات، وإنما كبار المبدعين، والفلاسفة. وقد قرأ ماركس، غير أنه لم يهتم كثيرا بالجوانب الأيديولوجية التي تضمنتها منطلقاته الفكرية. كما قرأ لكبار الروائيين الروس والأميركيين، منجذبا بالخصوص إلى الذين ينشغلون في مؤلفاتهم بطرح مسائل فلسفية مثل دستويفسكي وتولستوي وجان بول سارتر وألبير كامو.

وعندما عاد إلى تونس بعد حصولها على الاستقلال عام 1956، درّس هشام جعيط في كلية الشريعة على مدى خمسة أعوام. وبسبب الأوضاع الصعبة التي كانت تعيشها البلاد في بداية مرحلة بناء الدولة الوطنية، عاش ما سماه بـ”المنفى الداخلي”.

جعيط: يمكن أن أقول إنني شرعت مطلع الستينات في الابتعاد عن المجتمع الأكاديمي، موليا اهتماما كبيرا للخطاب السياسي والحضاري

وعن تلك الفترة، يقول جعيط: يمكن أن أقول إنني شرعت مطلع الستينات في الابتعاد عن المجتمع الأكاديمي، موليا اهتماما كبيرا للخطاب السياسي والحضاري، سواء في تونس أم في العالم العربي، أم في القارة الأفريقية، أم في العالم الجديد، الذي بدأ يبرز للوجود. كنت باحثا “عالم ثالثيا” (نسبة إلى العالم الثالث). كما اهتممت بالفكر الديني، وبالفكر الوطني والقومي. وقد كتبت العديد من المقالات والدراسات في هذه التوجهات.

ولا يخفي هشام جعيط أنه تأثر كثيرا عام 1968، أي بعد هزيمة العرب المدوية في حرب الأيام الستة، بكتاب ميشال عفلق “في سبيل البعث”، ووجده “جريئا وقوميا وحداثيا في آن واحد”. كما أعجب بكتاب المفكر المغربي عبدالله العروي “الأيديولجيا العربية”، وأيضا كتاب الشاعر والمفكر الباكستاني محمد إقبال “تجديد الفكر الديني في الإسلام”.

ولعل كل هذه القراءات هي التي دفعته إلى تأليف كتابه “أوروبا والإسلام” الذي سعى من خلاله إلى تحليل ماهية الإسلام، وماهية الغرب، وتقديم نظرة حول فلسفة الثقافة. كما أثار فيه مسائل أخرى كانت تشغل ذهنه منذ فترة الشباب. وعن كتابه المذكور، يقول هشام جعيط: باستثناء علي حرب، لم يهتم العرب كثيرا بكتابي “أوروبا والإسلام”. أما الغربيون فقد أعجبهم الكتاب. لذا ترجم إلى الأنكليزية والإسبانية. وتحدث عنه الباحثون ككتاب مهمّ على مستوى استقراء العلاقة الثقافية والحضارية بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي.

وبعد أن أصدر كتابا ضخما عن تاريخ الكوفة، اهتم هشام جعيط بالسيرة النبوية مقدما من خلالها قراءة فلسفية وعلمية مدهشة للإسلام.

15