معرض باريسي يترك لطاغية كوريا الشمالية حرية اللعب والمرح

الأحد 2017/06/11
جنة الدكتاتور المرحة

يعتبر الطاغية شخصاً ومفهوماً من أقدم أشكال الهيمنة والسيطرة السياسية، إذ يمتد ليشمل كافة جوانب الحياة، ومازال حاضراً بكل أشكاله حتى الآن، فالهيمنة التي يقوم بها الطاغية مرتبطة بشخصه وتقديسه، وجعله أقرب للأسطورة، لتحاك حوله الحكايات والأساطير الشعبيّة مدعومة بأجهزة البروباغاندا والتلاعب، ليأتي الفن كحركة ووسيلة لمواجهة هذا الطغيان سواء عبر الدعوة للثورة أو عبر النقد والسخرية بوصفهما ينزعان القدسية عن هذا الكائن الذي يدّعي المعرفة العليا، وخصوصاً أن الطاغية تحضر أشكاله وتحولاته بصيغة سياسية تحافظ على هيبته بل حتى تجرّم من يتجرأ على انتقاده أو المساس بمكانته.

اشتهر الفنان الإيطالي ماكس بايتشي بكونه مخرجاً مسرحياً وسينمائياً، ومؤخراً تحول للفنون الرقميّة وأقام معارض في عدد من عواصم العالم كطوكيو وبرلين ونيويورك، حالياً تشهد صالة بوانت إيفيمير في باريس معرضاً لبايتشي بعنوان “حَضَر القائد” وفيه يستخدم تقنيات الفوتومونتاج الرقميّة لتكوين عدد من اللوحات التي نرى فيها طاغية كوريا الشماليّة كيم جونع أون بصورة مختلفة عن تلك التي نعرفها عنه، إذ تتداخل صوره مع صور مستمدة من الثقافة الشعبية والبوب أرت والأعمال الفنية الجماهيرية، لتكسر هيمنة صور البروباغاندا التي تحتكر كيفية ظهوره علناً وتسائل آلية غرسه في وعي الناس.

محاكاة لـ"من أجل حب القائد"

يستخدم بايتشي التقنية الحديثة لنزع الهالة عن صورة الطاغية ووضعه في سياقات مختلفة، إذ يحافظ على التكوينات الرئيسي لملامح الصورة الأصل ويضيف عليها صورة الطاغية، مثلا نرى لوحة بعنوان “north park” وهي محاكاة ساخرة لشخصيات المسلسل الكرتوني الأميركي الشهير “south park”، إذ استبدل فيها الفنان أوجه الشخصيات الأربع الرئيسية بصورة كيم، إلى جانب لوحة أخرى مشابهة لكن باستخدام شخصيات مسلسل تيليتابيرز، مفعّلاً عناصر الكوميديا التي تختزنها تقنية التلاعب بالسياق هذه، دافعاً مخيلة المشاهد لتكوّن كيم ضمن أشكال مختلفة عن صور الإعلام، فكيم ليس صارماً يشاهد استعراضاً عسكرياً، بل شخصية كارتونية تقفز في المروج الخضراء كتيلي تابيز أو يقوم بمقالب ونكات عنصرية ككارتمان في “south park”.

لا تنحصر تقنيات المونتاج الممارسة في المعرض بالبرامج التلفزيونية الجماهيريّة، بل يحوّر بايتشي أيضاً أيقونات البوب أرت، لنرى وجه كيم يحضر عوضاً عن صور مارلين مونرو الملونة في عمل أندي وارهول بعنوان “دقائق من الشهرة”، أو نراه يرمي بصاروخ نووي عوضاً عن باقة من الورود في تحوير لأحد أعمال بانكسي لكن هذه المرة بعنوان “القائد في الهواء”، فالفنان يقحم الفن بمواجهة شديدة الوضوح ضد الطاغية، فتقنيات البارودي (parody) المستخدمة هنا تؤكد على مهمة الفن في نزع الهالة عن الشخوص، وأهمية الانتهاك الفني الذي تختزنه البارودي سواء تجاه السياسي أو الفنيّ بحد ذاته، كاللوحة المسمًاة “من أجل حبّ القائد” والتي تحاكي جمجمة الفنان ديمين هيرست المرصّعة بالألماس، لكن الاختلاف أن بايتشي أضاف لها قبعة كيم وصاروخاً بين فكيها.

تختلف ممارسات بايتشي عن اللعب التقليدي بوصفها نابعة من موقف نقدي، هي لا تدعو لتأسيس قواعد جديدة بل تخلخل الموجودة حالياً، لا تقدم بدائل أو تدعي أنظمة بديلة للـ”طاغية”، بل هي رسالة واضحة ضد الاستبداد بصيغة غروتيسكيّة معاصرة عبر توظيف للمنتج الثقافي والفنّي السياسي أصلاً لمواجهة الأشكال السياسية الأخرى من الصور، وكأننا أمام لعب في عالم مليء بسرديات مكونة من صور تتراكم وكلّ منها يسعى لإغراق الآخر، كمواجهة بين الطاغية بإعلامه وماكينة البروباغاندا التي يمتلكها ضد الفنان وآليات السخرية والتهكم التي يتلاعب بها مفكّكاً التماسك الذي تدّعي البروباغاندا امتلاكه.

كاتب من سوريا

15