معرض باريسي يستعيد فرومنجيه رسام التصويرية السردية المنسي

قليلون هم الذين لا يزالون يذكرون جيرار فرومنجيه، هذا الفنان الفرنسي الذي كان في طليعة المتمردين ضمن حركة مايو 1968 التي هزت فرنسا وغيرت كثيرا من القيم السائدة، أخلاقيا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، فعادة ما ترد تجربته إلى تلك المرحلة الحسّاسة من تاريخ فرنسا، أو إلى الحركة “التصويرية السردية” التي كان أحد روادها. لذلك يُعدّ المعرض الذي ينظمه له مركز بومبيدو بباريس حاليا نوعا من رد الاعتبار، وتكريما لفنان ظل خارج الدائرة التقليدية لسوق الفن.
الاثنين 2016/03/07
أسلوب يمزج الساخن بالبارد

ولد جيرار فرومنجيه الذي يحتفي بأعماله حاليا مركز بومبيدو بباريس، عام 1939 ببونشارتران إحدى ضواحي باريس الشرقية، ودرس الرسم في ورشة شهيرة ثم في مدرسة الفنون الجميلة التي لم يدم بقاؤه فيها طويلا، إذ خيّر العمل في ورشة النحّات سيزار بلداتشيني (1921 /1998).

وبعد أن فاز بالجائزة الأولى للرسم الفني في مهرجان أفينيون التحق بأشهر قاعات الفن آنذاك “غاليري مايغت”، بتدخل من صديقه جاك بريفير، وفرض حضوره في الساحة الفنية برسومه التصويرية والألوان الموحّدة واضحة التباين، وانخرط بذلك في جمالية التصويرية الجديدة.

رسام اللون الأحمر

في عام 1968، ساهم جيرار فرومنجيه في تأسيس الورشة الشعبية للفنون الجميلة، التي سوف تصدر عنها عدة لافتات سياسية، تضامنا مع “الصراع العادل للرفاق العمال الذين بدأوا يحتلون مصانعهم”، ثم ساهم مع المخرج السينمائي الشهير جان لوك غودار في إنتاج ما سمي وقتها بـ“أفلام مناشير”، تعبيرا عن وقوف مثقفي اليسار مع العمال في نضالهم ضد رؤوس الأموال والطبقة السياسية المتواطئة. وانضمّ إلى أصدقائه بريفير وسيرج جولي وجيل دولوز وميشيل فوكو في الدعوة إلى التغيير. في هذه المرحلة، اتسمت أعماله بالمزج بين الرسم والسياسة، بأعمال تعرض في الشارع تحدّيا لقوات الأمن، ويطغى عليها اللون الأحمر، كما يتبدى في لوحة له يفيض فيها على الأبيض والأزرق داخل العلم الفرنسي.

ولما كان اليسار في عمومه متأثرا بالشيوعية أولا، ثم بالماوية، فقد شارك فرومنجيه ضمن نخبة من المثقفين والرسامين في رحلة إلى الصين عام 1974، وصاغ عن تلك الزيارة بعض أعمال، يطغى عليها كالعادة اللون الأحمر.

ومنذ ذلك التاريخ، أقيمت له عدة معارض في أمستردام وسيينّا وطوكيو وأبيدجان وداكار وإشبيلية فضلا عن باريس، ورغم حضوره في برازيليا وريو دي جانيرو عام 2009 ولندن العام الماضي، فإن الجمهور الفرنسي يكاد ينساه.

يشمل المعرض الحالي بمركز بومبيدو الباريسي شريطين قصيرين وخمسا وستين لوحة تغطي كامل تجربته منذ بداياته إلى الآن، وإن جاءت في عرض غير كرونولوجي، والغاية التعرف على رؤيته الفنية أكثر من الوقوف على تطور تجربته.

جيرار فرومنجيه: بين سوق الفن وتاريخه، اخترت التاريخ، لدي وفاء لإقليم التاريخ والمجازفة

من لوحات السيريغرافيا التي تُظهر أعلاما دامية، إلى اللوحة الضخمة المهداة إلى روح المناضل بيير أوفرنيه (وهو مناضل ماوي قتله أحد العسس عام 1972 في معمل رونو للسيّارات)، يعطي المعرض انطباعا عن تجربة جديرة بالاهتمام، حيث تبدو شخصيات فرومنجيه، رجالا ونساء وأطفالا، في حركة دائمة، كرمز للطاقة والحزم والعزم، ودلالة على إمكانية الهروب من عالم واقع في أيدي الأسواق المالية، حتى لتبدو “الجماهير الشعبية تتحرّك” هي ثيمة أعماله المركزية.

بالرغم من أن بعض النقاد يضعون فرومنجيه في خانة البوب آرت، إلاّ أنه يرفض ذلك، وإن كان يعترف بأنه يجد نفسه، من حيث المقاربة النظرية، قريبا من هذه الحركة الثقافية المعولمة التي تقطع مع العالم الجمالي والأيديولوجي لما قبل الستينات.

وهو ما نلمس أثره في بعض أعماله، فمن مشاهد الشارع إلى بورتريهات “رفاق الفكر الفاعل” مثل بارت ودولوز وفوكو، يلوّن فرومنجيه علاقة بالعام الذي ينتمي إليه، والذي يناضل من أجله، باستعمال صور تنشرها الصحف يُدمجها ضمن لوحات ذات وجوه وشخوص يصلها بعضها ببعض خطّ مُلتَو أو موشومة بألوان أولية، باردة وساخنة، كالبنفسجي والأخضر المائيّ.

هذا الأسلوب الذي يمزج الساخن بالبارد، وينشر علامات من العالم المعاصر، ويقدّمه في إطار نضال وجوديّ كان من نتائجه عزل فرومنجيه على الساحة الدولية.

طيف الألوان

فرومنجيه من ناحية يدير الظهر للفن الأميركي، منتقدا سياسته التوسعية المهيمنة، ويستفيد من بعض رموزه نسبيا في خلق فن ذي متعة بصرية، كأن يزاوج بين السينما والواقعية الفوتوغرافية شأن جاك مونوري، أو يعمد إلى الكولاج بلصق أشياء الحياة اليومية على غرار هيرفي تيليماك، وهما، إضافة إلى جيل أيّو، وفرومنجيه نفسه، ممّن ظلوا منسيّين، إما لعدم فهم تجاربهم أو لكونهم معزولين لم يعرفوا كيف يندمجون في السوق.

يقول فرومنجيه في هذا الصدد “بين سوق الفن وتاريخه، اخترت دائما التاريخ. لديّ ثوابت، أولها وفائي لإقليم التاريخ والمجازفة. وثانيها فتنة الصورة ومساءلتها، قد يكون ذلك موقفا مضادّا من التجريد المنتصر لدى الجيل السابق، ولكنه بالأساس إعجاب بالسلالة الممتدة من جوطّو إلى بيكاسّو وجاكوميتّي، مرورا بسيزان، ومن مارسيل دوشامب إلى بروس نومان، مع رغبة إضافة حصاة بيضاء إلى ذلك البحث الدائم. وأما الثالث فهو اللون، بعد مراس قصير للانهائية الفروق بين الأسود والأبيض، اخترت أبجدية طيف الألوان”.

16