معرض باريسي يعيد اكتشاف الفن الطلائعي الروسي

المعرض يستعرض حلقة مجهولة من تاريخ الفن الطليعي الروسي  عبر لوحات زيتية ورسوم ونقوش وصور لم يسبق عرضها.
الاثنين 2018/05/14
تجربة لم تعمر طويلا

يذكر مؤرخو الفن أن القطبين الفنيين اللذين كان الفنانون فيهما يبتكرون أساليب جديدة لتفجير العالم القديم عام 1918، هما باريس وفيتبسك، تلك البلدة الصغيرة، التي تقع اليوم في بيلاروسيا.

ولئن كانت باريس قبلة الفنانين من كل الأصقاع ومنطلقا للحركات الفنية الجديدة، فإن فيتبسك، التي لم يكن يعرف الناس حتى موقعها على الخارطة، نالت شهرتها تلك بفضل أحد أبنائها، ونعني به مارك شاغال، فما كاد يعيّن مندوبا للفنون الجميلة عام 1918 حتى بادر بتأسيس مدرسة مفتوحة لكل الفنانين، دون استثناء.

مدرسة دعا إليها صديقه السينمائي والمصور لازار ليسيتسكي (الشهير بإل ليسيتسكي) لكي يدرس في رحابها، فدعا بدوره كازيمير ماليفيتش، منظّر التجريدية الراديكالية، الذي سيلقي بظلاله على سير  الدروس، ثم على علاقته بمؤسس المدرسة نفسها، أي شاغال.

ذلك أن الطليعة الروسية لم تعمر طويلا، فقد بدأت عام 1918 في حفل بهيج وغايات مشتركة، ثم انتهت عام 1922 حين قامت الحكومة السوفييتية، عقب نهاية الحرب الأهلية، بوضع يدها على الفنانين لتجعلهم جميعا في خدمة الحزب البلشفي.

وكانت الطليعة قد انقلبت آنذاك إلى معركة بين المدارس الفنية، رافقها موت رمزي للخصم، الذي آثر الهجرة وترك مكانه شاغرا، ونعني بالخصم هنا مارك شاغال الذي غادر المدرسة التي أسّسها وترك فيتبسك لينتقل إلى موسكو، ثم إلى باريس لكي يضمّد جروحه، بعد أن تخلى عنه تلامذته، وخيروا عليه ورشة منظّر التفوق كازيمير مايفيتش، وعالمه الجديد “دون غاية”.

 

يقيم مركز بومبيدو بباريس حتى منتصف شهر يوليو القادم معرضا يستكشف حلقة مجهولة من تاريخ الفن الطلائعي الروسي، حين التقى مارك شاغال باثنين من فناني التجريدية هما إل ليسّيتسكي وكازيمير ماليفيتش، حول مشروع مدرسة شعبية أسّسها شاغال في مدينة فيتبسك، مسقط رأسه

ولئن كان شاغال فنانا جعل الكائنات والأعراف والقواعد تحلق في فضاءات حالمة فوق مناظر رمادية مسطحة، فإن ماليفيتش كان مدرّسا فطنا ومنظّرا ذا كاريزما، ومبتكرا لأفكار جديدة، وخطيبا مفوّها، ما أهّله لمنصب نائب في مجلس السوفييت بموسكو عقب الثورة، وكان إلى ذلك متأدلجا حتى أنه أطلق على ابنته اسم “أونا” على اسم مجموعته “أونوفيس” (أي المؤكدون على الجديد في الفن) وكانت تضم أتباعه ومريديه كلازار ليسيتسكي، ودفيد ياكرسون.

كان شاغال وماليفيتش وليسيتسكي يرفعون، كل على طريقته، شعار فن جديد، فن ثوري، ولكن سرعان ما تبدّت الاختلافات بينهم، إذ لم يكن يجمعهم غير السعي إلى فن يقطع مع الأساليب الفنية السائدة، ثم حادت بهم الطبائع والأمزجة، فضلا عن التباين في الرؤى الفنية.

ولم يتآمر ماليفيتش على شاغال، بل استغل قدراته في التأثير على الطلبة، وإقناعهم بحداثة رؤيته الفنية وهو الذي لم يعد يرى العالم إلاّ في هيئة أشكال هندسية وصور تجريدية، فاستطاع في وقت وجيز أن يستقطبهم، فتسارعوا إليه وتركوا ورشة شاغال خالية، بل إن ليسيتسكي نفسه تخلى عنه، رغم أنه يختلف مع ماليفيتش في كل شيء، حتى في مظهره الخارجي، فهو بوهيمي، ملتح، غامض مثل مهمّش في عالم الفن، بينما كان ماليفيتش مهيب الهيئة أنيقا في هندامه، فضلا عن طاقاته الخطابية وقدرته على التأثير.

أما شاغال الذي كان فنانا قبل كل شيء، ينقل تطلعاته العميقة في صور وأشكال وألوان، فلم يستطع إقناع طلبته بجدة رؤيته الفنية، فانفضّوا من حوله الواحد تلو الآخر، حتى وجد نفسه في فصل خال إلاّ من رؤاه هو وتهويماته.

ومن خلال مئة وخمسين عملا فنيا، من لوحات زيتية ورسوم ونقوش وصور لم يسبق عرضها، يستحضر مركز بومبيدو بباريس حتى منتصف شهر يوليو القادم معرضا يستكشف حلقة مجهولة من تاريخ الفن الطلائعي الروسي، معرض عن تلك الأعوامَ التي تلت الثورة البلشفية عندما كان التاريخ الفني يكتب في فيتبسك، بعيدا عن المدن الروسية الكبرى.

ويركز الجزء الأول منه على ظروف تأسيس مارك شاغال لمدرسته الفنية الشعبية، بعد صدور قانون يلغي كل ميز قومي أو ديني، ما مكنّه من الحصول لأول مرة على صفة مواطن روسي، ورغبته في مساندة كل من كان مثله من أسرة متواضعة ومن أصول يهودية، فجعل مدرسته، التي أرادها ثورية بحق، مفتوحة بشكل مجاني لكل الناس مهما كانت أعمارهم.

أما الجزء الثاني فقد استعرض تأسيس المدرسة وطرق التدريس فيها، عقب قدوم فنانين مدرّسين حرصوا على تنويع الأساليب بأكبر قدر ممكن، كالتقليدي مستيسلاف دوبوجنسكي، والتصويري روبرت فالك، والأكاديمي يوري بين، واثنين من رواد التيار المستقبلي هما إيفان بوني، وفيرا إيرمواليفا، فضلا عن إل ليسيتسكي، وكازيمير ماليفيتش.

كما سلط المعرض الضوء على تميّز تجربة شاغال الذي ظل وفيّا لأسلوبه التصويري الطافح بالاستعارة، والملتحم بالذات، إذ كان لا يتردّد عن إقحام نفسه داخل أعماله، وتسجيل اسمه بشكل جليّ على لوحاته، والإكثار من بورتريهاته الشخصية، كما في لوحتيه “فوق المدينة” و”بورتريه شخصي على محمل”.

16