معرض تشكيلي يحتفي بالمهمشين وأساطيرهم في مصر

منحوتات ولوحات المعرض الصيفي الأول في القاهرة تروي فصولا من وقائع قائمة وأخرى متخيلة من حياة الماضي في الحارات الشعبية المصرية.
الأربعاء 2020/07/22
معالجات لونية متنوعة

المعرض الصيفي الأول في القاهرة يتحوّل إلى بحث مجتمعي في حياة المهمشين خلال حقب تاريخية متباينة، ويقلب دفته لمحاربة الصورة الذهنية السلبية عن المرأة بوصفها مخلوقا للغواية، رغم فتح المجال أمام المشاركين فيه لرسم أو نحت ما يجول بصدورهم أو يشغل عقولهم.

القاهرة- وجد المعرض الصيفي الأول في غاليري “نوت” بحي الزمالك في القاهرة ضالته في حياة الطبقات الفقيرة والفئات المهمشة ليستأنف بها نشاطه، بعد توقّف مطوّل للحياة الفنية فرضته جائحة كورونا، وتركيزه على المرأة ككيان اجتماعي يتعرّض للظلم.

وتمثل منحوتات ولوحات المعرض الذي يستمر حتى الأسبوع الأول من شهر أغسطس القادم، قصصا درامية قائمة بذاتها أو تروي فصولا من حياة قائمة أو صورا متخيلة من حياة الماضي في الحارات الشعبية بنشاطاتها الاقتصادية أو تراث قبائل وهبت حياتها لإسعاد الآخرين دون مقابل.

تجسيد للفئات المهمشة في الحارات الشعبية
ألوان دافقة تثير قدرا من الدفء

ومنح المعرض الفرصة لنحو 35 فنانا للتعبير عمّا يجول بصدورهم دون التقيّد بأفكار معينة. لكن أعمالهم سارت في اتجاهات متقاربة لتجنح في فلك الأساطير والحكايات الشعبية القديمة، بصرف النظر عن انتمائها إلى مدارس فنية مختلفة بين الواقعية والسريالية والتجريدية.

في لوحة للفنان حسين ديهون، المعروف بأسلوبه في اختصار حياة كاملة بصخبها في لقطة، تتصارع الحداثة مع الماضي، والطبقات المجتمعية الثرية مع الفقيرة، بعربات “كارلو” يدوية تقليدية لبيع الخضروات تُجاهد للعثور على مكان وسط المركبات المتطوّرة السريعة، وفتاة بملابس عصرية كاشفة تركز نظرها على امرأة فقيرة تحمل فوق رأسها “مشنة”، وهي وعاء مسطوح مصنوع من ألياف نبات الحناء والبوص.

وتمنح لوحات أخرى من المعرض عناية خاصة بالصيادين كطبقة تعيش حياتها على الرضا والقناعة، ديدنهم الصبر وهم يتعلمون كيفية غزل الشباك دون يأس، حتى لو تأخر الرزق لثلاثة أيام مع ثقتهم الدائمة بأن الفرج والخير سيأتيان في النهاية مهما كانت مرارة الانتظار.

كما انصب تركيز عدد كبير من المشاركين نحو المرأة ودورها المجتمعي ليتم تصويرها كملاك بأجنحة بيضاء يرفرف فوق مروج خضراء، أو كائن شاعري يُشيح ببصره عن رجل يحاول مداعبة قلبها وعقلها بالموسيقى والإطراء.

ولا يخلو المعرض من قصف للتفكير الذكوري الشهواني حول المرأة على جانبي الرسم والنحت، بلوحة أقرب إلى الرسم الكارتوني تهاجم متلصّصا على خصوصية امرأة يسترق النظر إليها أثناء تزيينها أصابع قدميها على سريرها بملابس مكشوفة، أو تمثالا نصفيا لرجل طويل الشعر على جانبي رأسه فوهة لزجاجة نبيذ فاخرة تتحكّم في تخيلاته حول مجتمع النساء أو قد تدفعه في لحظة شهوة غير عقلانية إلى التحرّش بامرأة أو التمادي بعيدا عن ذلك.

وتحمل بعض اللوحات رغم بساطة خطوطها الكثير من المعاني الدفينة بفقير منكسر يفترش الأرض ينقّب في ترابها عن معاني الرزق والثقة، ومجموعة من الرجال مُعمّمِي الرؤوس يحملون العصي الغليظة ويسيرون في انتظام، ربما في مناسبة سعيدة أو تشييع جثمان عزيز، أو مجموعات من البشر يتيهون في دروب متقاطعة ودائرية مُسيّرين في رحلة حياة لا يختارون تفاصيلها في غالبية الظروف.استغلال مختلف للخامات

وتجعل الفنانة إيمان حكيم من المرأة هدفا وأسلوبا للرسم في نحو ثلاث لوحات تعبّر فيها عن الجمال الأنثوي بصيغه وأشكاله مع رابط واحد يتمثل في الألوان الحمراء شديدة السخونة، فتجلس كملكة على عرش سلسلة من المنازل القروية القديمة خلفها رغم بساطة ملابسها وحملها ديكا بين أرجلها يظهر نوعا من ثقافتها النابعة من الريف.

وتكرّر حكيم في لوحة أخرى صورة أخرى للمرأة ككيان مموّه الوجه عاري الجسد كمصدر للبهجة والزينة والحياة تحمل في إحدى يديها زهرة اللوتس التي يقال إنها أجمل زهرة خلقت على وجه الأرض بلونها ناصع البياض وعطرها القوي الذي يبقى في الأنوف أربعة أيام متواصلة، وفي الأخرى تتساقط أوراق اللعب ربما في رسالة على أن أي امرأة لا تخلو من الفتنة.

وتقول الفنانة مها فخرالدين، مديرة غاليري “نوت”، لـ”العرب”، إنه يمثل تجميعا فريدا لأعمال تمثل جيل الرواد والشباب، كل منهم شارك بعمل أو اثنين يعبّر فيه عن حالته النفسية والوجدانية ما بين التراث والروحانيات والأفكار المجتمعية، ويمثل توليفة لا تتكرّر كثيرا في الخامات بين الخزف والبرونز والخشب والحجر، ولوحات الإكليريك والكولاج والباستيل.

وتحظى الأساطير بمساحة واسعة داخل المعرض تجسيدا لرابطة عضوية غير قابلة للفكاك، فالأسطورة الشعبية دائما ما ساهم الفقراء أو المنبوذون في الأرض في تشكيلها وصياغتها ومنحها قدرا من طبائعهم ونمط حياتهم كوسيلة تحرّر نفسي ومنح الأمل في ميل الأمور نحو الأفضل.

ويقدّم النحّات حسام أبوالعلا سلسلة منحوتات من صخور بدائية تحكي أسطورة لقبائل “الزوما” الأفريقية غالبية تفاصيلها نابعة من تصوّر داخلي للفنان تجعلها من مانحي السعادة لأول بشري يزورها بعد آلاف السنوات من سباتها العميق في أعماق الأرض، ليصل في النهاية إلى حقيقة مفادها أنه على الإنسان البحث عن سعادته طوال حياته، وحال العثور عليها يجب أن يقيّدها معه حتى لا تفلت منه مجددا.

ساهم انتشار فايروس كورونا في استحضار فكرة الأسطورة خاصة المتعلقة بالموت داخل أعمال الفنانين كفكرة رئيسية أو عبر رموز الحياة الأخرى في الحضارة الفرعونية القديمة، ففترات العزل داخل المنازل وفوبيا الإصابة تهيمن على التفكير والريشة في الوقت ذاته وتخلق نمطا من التصوّرات والتخيّلات لما بعد النهاية والحساب. وحضر “أنوبيس” إله الموتى في الحضارة المصرية القديمة، بجسده الآدمي ورأس حيوان “ابن آوى” ممسكا بشعار العنخ (مفتاح الحياة) بيده اليمني وهو يحاكم البشر أمامه، وفي لوحة أخرى يجلس في وضع المترقّب من فوق تل ضخم  ينتظر فرصة الانقضاض على البشر وحصد أرواحهم.

ولا يمكن عزل كورونا عن النفحات الدينية الخالصة التي تتضمنها بعض اللوحات التي فضّلت الرجوع إلى الماضي ورصد رحلة العائلة المقدسة إلى مصر أو تخيلات عصرية للعشاء الأخير للمسيح أو الرهبان في تفكيرهم وتدبرهم، وبجوارها مشاهد مقتطفة لتجليات روحانية لشيخ فقير يرتدي زيا صوفيا في ساحة للذكر وبجانبه بعض النقوش الإسلامية المميزة، أو جمل مصنوع من الخردة ينتظر في تشوّق رحلة مقدسة إلى أراضي الحجاز في موسم الحج.

المرأة ملكة تتلاعب بالحياة
المرأة ملكة تتلاعب بالحياة

وتقول مها فخرالدين إن المعرض الذي تم افتتاحه منتصف يوليو الحالي بحضور عدد محدود من الجمهور مراعاة لاشتراطات كورونا، يمثل نافذة للفنانين الشباب في التعبير عن أفكارهم وفق مدارسهم الفنية دون قيود، ومنحهم كل الوسائل لإخراجها إلى النور بطرق مبتكرة عن المرأة والحياة الشعبية والأساطير وأحلام الطفولة ومشاعرها.

ومال البعض من الفنانين لوسائل غير مألوفة في التعبير مثل هاني يوسف الذي اعتمد على توظيف مبتكر للخامات التقليدية، لتحمل قدرا من المشاعر النابضة سواء المبهجة أو المحزنة، وتعطيها طابعا كوميديا صرفا ما بين زجاجتي مياه تم تغطيتهما برباط ضاغط مخصّص لكدمات العظام لا يظهر منها إلاّ عينان غليظتان وأنف أحمر للتأكيد على أن الإنسان كيان هش، أو تحويل أدوات الرسم بفرشاتها ولوحها إلى مجسمات بشرية تنظر في ذهول يثير التعاطف والأسى.

16