معرض "عالمنا يحترق" .. علامات جماليّة على نهاية العالم

معرض باريسي يتناول التاريخ السياسي والثقافي المعاصر للشرق الأوسط.
الأحد 2020/04/26
خطر تأمين مقومات الحياة

تقول المُقاربات الجماليّة المعاصرة إن العمل الفنّي يمتلك قُدرَةً على مواجهة الشكل القائم والنظام السياسيّ الذي يضبطه، لأن العمل الفنّي قادرٌ على خلق علاقات جديدة بين البشر والعالم والسلطة إلى جانب كونه أسلوباً لفَضحِ مُمارسات سلطويّة قمعية عبر مساءلة ما هو ساكن ومستقر، وكشف الأسباب التي تجعل العالم بالشكل الذي هو عليه، الأهمّ أن العمل الفنيّ يقدم “شكلاً” جديداً لتمثيل الذات بأسلوب مختلف عن التصنيفات الرسمية، تلك التي تحدد دور كل فرد ومكانته وطبيعة القوى التي تمارس عليه.

قبل الحجر الصحي الإلزامي في فرنسا، استضاف قصر طوكيو في العاصمة الفرنسيّة باريس معرضاً بعنوان “عالمنا يحترق” والذي يمكن الاطلاع على الأعمال الموجودة فيه عبر الإنترنيت كجزء من حملة “المتحف في المنزل”، وهنا تبرز المفارقة أن الوباء كشف العطب في عالمنا، والتقصير في القطاع الصحي على حساب التسلح العسكري، والمثير للاهتمام في المعرض أنه يركز في جزء منه على الشرق الأوسط، وما شهده من حروب وعنف سياسيّ “أحرق” حرفياً الكثير من مدنه بسكانها.

آثار عنف السلطة

تتنوع الأعمال في المعرض بين المنحوتات والتشكيل والتجهيز في الفراغ، وكل واحدة منها تعكس موقفاً سياسياً وتجربة شخصيّة تتجلى في مكونات العمل وأسلوب “ظهوره”، وهذا ما نراه بوضوح في منحوتة للفنان المغربيّ مصطفى أكرم، بعنوان “بناء 1”. فأكرم الذي عمل بعد تخرجه من الجامعة في ورشة بناء، وتظاهر مع الشباب المغربي أمام البرلمان للمطالبة بحقوقهم المهدورة، وهذا ما نراه في منحوتاته إذ تظهر كلمات “الحرية، المساواة، الحق” المستوحاة من النصوص القانونيّة بشكل منحوتات من الإسمنت، محاطة بأعمدة بناء ترفعها وفي ذات الوقت تقيّدها، في مقاربة لمفهوم العمل والاستغلال المرتبط بالبناء، فأكرم يختار الكلمة و”يَصُبّها” مُخرجاً إياها من سياقها، ليقدمها بالشكل الذي نراه، في محاولة للإضاءة على التناقض بين النظرية وبين أسلوب التطبيق على الواقع، ذاك الذي تهدر فيه حقوق الناس ويخضعون للاستغلال من قبل السلطة.

تتنوع الأعمال في المعرض بين المنحوتات والتشكيل والتجهيز في الفراغ، وكل واحدة منها تعكس موقفاً سياسياً وتجربة شخصيّة تتجلى في مكونات العمل وأسلوب "ظهوره"

نشاهد في المعرض أيضاً سلسلة مصغرات “بلد بلا باب أو شباك” للفنان السوري الفرنسي بادي دلول، والتي استخدم فيها 200 علبة كبريت صغيرة ليرسم فيها بدقة متناهيّة مشاهد من المأساة السورية منذ عام 2011، الصور غير مرتبة زمنيّاً حسب ظهورها في وسائل الإعلام، بل على أساس ذاكرة دلول، ما ينفي عنها السياق السياسي، ويتركها علامات جمالية معلقة، أشبه بألعاب الأطفال، تاركاً للمشاهد حرية اختيار ترتيبها وتكوينها وتفسير كل واحدة منها، مراهناً على أن الحجم المصغر يكشف حميمية الصورة وأثرها البعيد في الذاكرة مع مرور الزمن، ليظهر فقط الألم الإنساني والجمعي خارج السياق السياسيّ والهويات المرتبطة به، خصوصاً في ظل صراع الصورة الذي تشهده سوريا والمرتبط بحقيقة ما يحدث، مع ذلك لا يمكن إلا طرح تساؤلات عن أسباب اختيار الصور كونها مرتبطة بذاكرة المشاهد العاطفيّة، كما أن الكثير من الصور المرتبطة بالصراع في سوريا تحولت إلى أيقونات لا يمكن نفي السياق السياسي عنها بمجرد تغيير حجمها أو إعادة ترتيبها.

جرار الغاز

الحقوق مكبّلة بالحديد والإسمنت
الحقوق مكبّلة بالحديد والإسمنت

أكثر الأعمال إثارة للرهبة في المعرض هو تجهيز “الأبعاد الصامتة” للفنانة المصريّة الراحلة آمال قنّاوي، والذي ما إن ندخل الصالة حتى يطغى على سمعنا صوت دحرجة قنينة من الغاز عبر فيديو يبث على الأرض، بعدها نرى تجهيزاً ضخماً أشبه بغرفة معدنية جدرانها من “جرار الغاز” التي تذكرنا بمجرد النظر إليها بمعاناة الانتظار على الدور وتقصير السلطة المصريّة تجاه المواطنين الذين يعانون يومياً لتأمين احتياجات الحياة الأوليّة، فالتجهيز خاطب الفقر والمعاناة اليوميّة التي ترمز لها قنينة الغاز التي نراها في المعرض نظيفة ومرتبة مع شبيهاتها، وكأننا أمام صرح للعوز والعجز عن تأمين لقمة العيش يتجلى بالقسوة والحديد والسكن العشوائي. في ذات الوقت هناك حس بالخطر يتحرك في أقصى المخيلة، يرتبط بمفهوم جرة الغاز نفسها، كوننا نتعلم أن نتعامل معها بحذر دوماً خوفاً من التسريب.

يمتد العنف السياسي في التاريخ، ولا يقتصر أثره على لحظة تطبيق العنف، يمحي الماضي ويهدد المستقبل، وهذا ما نتلمسه في مجموعة منحوتات “العدو الخفي يجب أن لا يكون موجودا” للفنان العراقي الأميركي مايكل راكويتز الذي قام بإعادة إنتاج بعض التحف والمنحوتات التي كانت في المتحف الوطني العراقي ودمرت إبان الغزو الأميركي، مُستخدماً موادّ يومية وجرائد وعلب تخزين كرتونيّة من العالم العربي ليقدم نسخاً “جديدة” من التحف المفقودة، التي تحيلنا المواد المستخدمة فيها إلى تاريخ العقوبات على العراق التي كان يتم تفاديها عبر الاستيراد من دول عربية مجاورة، لتظهر الأعمال كدلائل على العنف الذي تعرض له العراق الذي أصبح تاريخه سلعة إما تتلف أو تنقل إلى الخارج لتعرض في المتاحف العالميّة، أمّا سكانه فلا هم فقط ممنوعون من امتلاك تاريخهم بل أيضاً من تأمين مقومات حياتهم.

يظهر تاريخ الشرق الأوسط المغرق في القدم لدى الفنان المصري وائل شوقي وذلك في عمل تجهيز ضخم بعنوان “العربة المدفونة”، في إحالة إلى مدينة أبيدوس المصريّة.

الذاكرة المدفونة

منحوتات تعكس موقفاً سياسياً وتجربة شخصيّة
منحوتة تعكس تجربة الفنان المغربيّ مصطفى أكرم الشخصية

والمثير للاهتمام أن سكّان المنطقة الذين التقاهم شوقي أخبروه بأنهم كانوا يحفرون في الأرض بحثاً عن الكنوز، وهذا ما حاول شوقي استعادته، إذ أعاد بناء بعض هذه الحفر التي تشبه الصالات مقدماً فيها صورة بديلة لـ”الكنوز” وحضورها في الذاكرة الشعبيّة، التي تلعب دوراً في حفظ هذه الآثار عبر الأساطير والحكايات، التي شكلت في الكثير من الأحيان مرجعاً للباحثين والمنقبين، ليبدو عمل التجهيز تعليقاً على علاقة الجغرافيا بالتاريخ والإيمان الشعبي الذي يبحث عن المميز والمختلف والأسطوري بوصفه جزءا من الهوية المحليّة ومحركاً للحكاية التاريخيّة.

يُعلق الفنان منير فاطمي في منحوتته “كل شيء خلفي” على عوالم الميديا والاتصال، إذ نشاهد مئات الأمتار من كابلات الاتصال التي تستخدم في البث التلفزيوني والإنترنيت والهواتف الأرضيّة ملفوفةً ضمن حزم على طاولة معدنيّة أمامنا، كأسلوب لجعل نظام الهيمنة الذي نخضع له مادياً وملموساً، بل وذا شكل مبتذل وصناعيّ، وكأن الصورة المتُقنة والمقنعة التي نتداولها ونبثها ونتلقاها ليست بالنهاية إلا منتجاً فوضوياً في بعض الأحيان، كالأسلاك الموجودة على الطاولة والمهددة بأن تتشابك وتضيع المعلومات فيها كحالة ما يحصل في وسائل الإعلام.

يحوي المعرض أيضاً لوحة للفنان فرج دهام بعنوان “لغة الشارع” والتي يظهر فيها العمال الأجانب الذين يعملون في البناء والصناعات، أولئك الذين تركوا أسرهم ليبذلوا طاقة أجسادهم بصمت في سبيل عمران المدن الجديدة، وعبر تقنية أشبه بالكولاج يدمج دهام صور أولئك العمال الملثمين بسبب الحر والتراب مع لافتات البناء و”ورق الزجاج” الصناعيّ، لتبدو اللوحة أشبه بـ”نيغاتف” لأصلٍ لا نسخة ملونة عنه، أصل لفئة موجودة لكننا لا نراها، ولا تمثيل مرئيّا لها، بالرغم من أن جهودهم ظاهرة وتشكّل صورة الخليج ونظام الحياة ضمنه.

14