معرض عمّان الدولي للكتاب 19 يحتفي بأمجد ناصر

الندوة الاحتفائية قدمها الكاتب والوزير الفلسطيني نبيل عمرو والروائي إلياس فركوح والشاعر زهير أبوشايب.
الأربعاء 2019/10/02
علامة ثقافية تدل على زمن ما

نظمت وزارة الثقافة الأردنية واتحاد الناشرين الأردنيين، ضمن فعاليات الدورة 19 لمعرض عمّان الدولي للكتاب 2019، ندوة تكريمية للشاعر والروائي أمجد ناصر بوصفه الشخصية الثقافية للمعرض، والفائز بجائزة الدولة التقديرية للعام الحالي، تضمنت شهادات عن تجربته الشعرية والنضالية قدمها الكاتب والوزير الفلسطيني نبيل عمرو، والروائي إلياس فركوح، والشاعر زهير أبوشايب، الذي أدار الندوة أيضا.

قال أبوشايب في شهادته “إن أهمية أمجد ناصر لا تكمن في كونه شاعرا مهما من أبرز رموز الحداثة الشعرية العربية، وواحدا من أهم حراس قصيدة النثر العربية والمجددين بوعي ثاقب في خطابها وجمالياتها، بل في كونه علامة ثقافية تدل على زمن ما، وتتيح لنا أن نقرأ من خلاله ملامح مرحلة كاملة من مراحل الوجود العربي الراهن”.

ووصف أبوشايب أمجد ناصر بأنه “القادم من حافة البداوة السحيقة المطلة على الماضي الفسيح، هو ذاته يحيى النعيمي الذي سيكتشف ذاته ولغته ورؤاه النافرة في مدينة غضة كعمّان لم تكن قد بلغت رشدها بعد، وهو ذاته الذي سيلتحق بالثورة الفلسطينية بكل ما يعنيه ذلك من تحديات، وهو نفسه الذي ستصيبه الرماح عند ضرب الثورة الفلسطينية في بيروت سنة 1982، وستتكسّر النصال على النصال في روحه ووجدانه ولغته، وهو نفسه الذي سيتلقفه المنفى كورم خبيث يبدد المعنى ويهدمه، ويحوّل الكائن إلى ظلال”.

وأضاف أبوشايب أن أمجد ناصر “هو أفضل من يمثل هذا العبور الشرس العنيد من البداوة، التي لا انتماء فيها أعلى من القبيلة، مباشرة إلى الفضاء العروبي والأممي عبر بوابة فلسطين، ولعله من المثقفين العرب القلائل الذين خرجوا تماما من ثقافة سايكس بيكو، وظلوا يكبرون بعيدا عنها، ويناضلون بوعيهم ولاوعيهم ضدها، وذلك ما يجعلني أقول بملء الفم: إنه أحد المثقفين العرب الذين انحازوا بكلّيتهم إلى هاجس المقاومة الواسع، في زمن تراجعت فيه المقاومة وثقافتها.

لذا فإن الاحتفاء بأمجد ناصر هو احتفال بالثقافة المضادة التي لم تمتثل قط لشروط التجزئة “السايكسبيكوية”، ولا لشروط التبعية والتخلف والخنوع، وما من قراءة عميقة في شعر أمجد ناصر إلّا وتحيل إلى تلك الجذوة التي ظلت تتلألأ في لغته ووعيه مثلما تحيل إلى الجذور الأولى الحميمة التي استمد منها لغته المدببة، ونبرته البدوية، وموضوعاته، ومخياله الحار الذي ظل يتحسس جسد العالم بشبقية عالية”.

علامة ثقافية تدل على زمن ما
علامة ثقافية تدل على زمن ما

ورأى زهير أبوشايب أن أمجد ناصر هو تمثيل لجيل السبعينات المهم الذي انبثق من الساحة الثقافية الأردنية بقوة فاتنة، واستمر حيا حتى يومنا هذا، والذي امتاز على الأجيال اللاحقة بانغماسه في فعل المقاومة والعمل الثوري، وحلم التغيير والتحرر والتنوير، وقد كان أمجد ذلك الشاعر المفاجئ الذي غادر البيت مبكرا، لكنه ظل باستمرار ينقل وطنه معه كما ينقل فؤاده، وينتشله من رواسبه البدوية المنقوشة كالوشم على جدران روحه ولغته ووجدانه إلى فضاء الحداثة المفتوح على الأفقين العربي والإنساني.

وختم أبوشايب كلمته مؤكدا أن الاحتفاء بأمجد ناصر هو احتفاء بالمكان وبأنفسنا، “إننا نحتفي بالهامش إذ يتحول إلى ملاذ ورحم للجديد والحي الذي لا تحدث الحداثة إلّا به، ونحتفي بالمهمش الذي ظلت هذه الساحة تُحشر في زاويته الضيقة، وتناضل من خلالها ضد سلطة المتن لتوسعه بكل تواضع وصمت، لافتة النظر إلى أن “الثقافة” لا يمكن أن تكون حكرا على المراكز الكبرى العريقة، التي نكنّ لها كل احترام وتقدير، لأن الثقافة ليست منطقة ينفي فيها بعضنا بعضا، بل هي بيتنا الجمعي الذي نقيم فيه جميع، ونساهم جميعا في بنائه وتوسيعه وتأثيثه وتنويره وتهويته وحراسته واستضافة العالم فيه”.

وروى الوزير الفلسطيني نبيل عمرو كيف تعرّف على الشاعر أمجد ناصر، حينما كان في سن السابعة والعشرين، أثناء الاجتياح الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية بيروت نهاية السبعينات من القرن الماضي، وتوقف عند حكايات شخصية دارت أحداثها قبل أكثر من 40 عاما جمعت بين الطرافة وبين جدية المواقف خلال عملهما معا في الإذاعة الفلسطينية، دار المقاومة، التي كانت تبث من بيروت.

وقد كتب أمجد ناصر، بعد أن وجد نفسه “حبيسا” في تلك الإذاعة، مع رفاقه من الكتاب والأدباء والشعراء، يومياته يوما بيوم، ينقل ويسرد فيها ما مر عليه في ذلك اليوم، ليس فقط من أحداث تخصه، بل يوثق بروح الشاعر المرهف، روح المقاومة كلها، روح رفاقه في الإذاعة وفي صحيفة المعركة، وروح الناس تحت الحصار الأول الذي لم يشهد العرب من خليجهم إلى محيطهم مثله. إضافة إلى أنه كان يوثق أيضا تساؤلات الناس، أكانوا مقاتلين أم مواطنين مثقفين أم سياسيين، يسجل حالات اليأس، ليس قبل أن ينقل أحاسيس الخوف الشديد، الخوف الفطري، لكنه أيضا الخوف المعنوي القومي، الخوف على مصير المقاومة، وشرفها وكرامتها.

أما الروائي إلياس فركوح فقرأ ورقته التي عنونها بـ”متمرد يشاكس بطائرة من ورق” تضمنت مشاهد من حياة أمجد ناصر، الذي تعرف عليه قبل عام 1977 بعد إجراء حوار صحافي معه (مع إلياس فركوح) لجريدة الأخبار التي كانت تصدر آنذاك، إلى أن امتدت هذه الصداقة بذهابه إلى بيروت للالتحاق بالفصائل الفلسطينية، وخروجه منها إلى قبرص، ثم استقراره لاحقا في بريطانيا حيث عمل في الصحافة المهاجرة.

لخّص إلياس فركوح جوهر أمجد ناصر، رغم العقود الثلاثة والسنوات الثلاث، وكما عاينه مؤخرا، في مُفردتي “التمرّد” و”المشاكسة”. وهو، ضمن هذا التكثيف، لم يبتعد كثيرا عن الـ”يحيى” القديم، الأوّل، الذي عرفه داخلا عمّان لائذا بأحلامه فيها، فارّا من المفرق فالزرقاء، عَلَّه يجد في هذه المدينة ما يغذّي أجنحة طموحات وتحليق هي من السعة ومخزون الوعد ما تستعصي عليه إمكانيات تلك التجمعات المرتجَلة، الأقرب إلى شوك البوادي الناشفة وعشوائيّة نموها، علّه يفلت من عبثية الذبول، ذبوله وذبول الأحلام والطموحات في داخله وانتثارها جميعها.

وتساءل فركوح “أكان أمجد ناصر يتنبأ بأن عمّان، ليست بالحاضنة الحقيقية القادرة حقا على رعاية أحلامه، ولا يزال الهدب على أجنحته الفتيّة؟ أكان يرى بأن هذه ليست سوى محطة ستقوده إلى محطات ومحطات، وكل واحدة منها ستشكّل لتجربته الفنية عَلامة أو وشما، في تجربته الحياتية اليومية على أرصفة المدن الغريبة، وفي حجراتها، ومع نسائها، وباكتظاظ مقاهيها ومكاتب جرائدها بفصائل الشعراء والمثقفين، الذائعين منهم والواعدين- الموعودين؟ فإذا كانت بيروت هي التي أطلقت ديوانه الأوّل حاملا اسمه الجديد، ‘مديح لمقهى آخر’ (وهذا امتياز بعُرف ذاك الزمن)، فإن عمّان وحيثيات “البلد” كانت تضجّ  في أوراقه وتقول، للقارئ الذي لا يعرف، إن ثمة مقاهي دائما في جميع المدن، ودائما هي موجودة ليعبرها الشعراء العابرون، وليستذكروا فوق كراسيها، لمّا يؤوبون زوّارا، طلائع أحلامهم التي باتت تُسمى، في ما بعد، ‘مشاريع’. أجَل، كان أمجد ناصر، ولعلّها البذرة في خاصيّة التمرد والمشاكسة في شخصيته، يُضمر لنفسه ‘مشروعا’ سوف يحققه ذات يوم”.

وختم إلياس فركوح ورقته قائلا “أين وصلَ أمجد ناصر، الذي كان يحيى، في تجربته -ولا أقول ‘مشروعه’-؟ فذاك رهن المستقبل بعد محطات عمّان، وبيروت، وقبرص، ولندن حيث ما عادت هذه الأخيرة محطة؛ أين وصلت قصيدته بالأحرى؟ هي لم تعُد تلك التي في ‘مديح لمقهى آخر’، ولا الذكريات والأمكنة المستعادة في ‘منذ جلعاد كان يصعد الجبل’، أو جميلات الكتابة/ التحوُّل (في نظري) في ‘رعاة العزلة’، إلخ.”.

ويختم قائلا “ذلكم سؤالٌ مسببٌ لإشكالٍ تتصادى الحواراتُ العاقلة، وغير العاقلة أيضا، وربما هي الأشد صخبا والأعلى ضجيجا، بين جَنَبات المعنيين بالشأن الشعري خصوصا، وبماهيّة الكتابة تخصيصا، وبهوية المتلقي تحديدا، وبكيفيّة التواصل تعيينا، وشروط التوازن، أو التخلخل، بين كتابات تنسجمُ مع منطقها الخاص وقراءات ترتهنُ لموروثها العمومي!”.                    

14