معرض "فنون العرائس" المصري يستحضر روح "الليلة الكبيرة"

ارتبط "فن العرائس" في أذهان الجمهور المصري بواحد من أهم الأعمال التي قدمت في القرن الماضي، وهو “الليلة الكبيرة” لرائد هذا الفن الراحل صلاح السقا، الذي نجح في توظيف العرائس لتعبر عن سكان الحارة المصرية البسيطة أبرع تعبير، لكن بمرور السنوات اختفى هذا الفن من ذاكرة الفنون المصرية، وها هي القاهرة تحاول بعث الروح فيه من جديد.
الأربعاء 2017/01/25
فن يجذب الكبار والصغار

يعتقد البعض أن “فن العرائس”، واحد من الفنون المقصورة فقط على الأطفال، إلا أنه في الحقيقة عالم مسرحي شامل يحمل الكثير من الخصوصية والعمق في التفاصيل، التي تجعله صاحب النصيب الأعظم من الاهتمام والجذب الجماهيري على مستوى الكبار أيضا، وهو ما نجح معرض “فنون العرائس” الذي أقيمت دورته الثانية بالقاهرة مؤخرا بدعم من الاتحاد الدولي للعرائس في تحقيقه.

المعرض ضمّ 40 فنانا من المحترفين والهواة وطلاب الجامعات، وعرضت خلاله أكثر من 350 “عروسة” (دمية) تتنوعت بين القُفاز و”الماريونيت” وخيال الظل والأقنعة و”الكولاج” و”الهاف ماسك”، (وهي من بين أنواع فنون العرائس المنتشرة في أوروبا).

شارك في المعرض الكثير من الفنانين من بينهم أميرة سليمان ومحمد سعد، أستاذ الديكور بقسم المسرح في كلية آداب جامعة حلوان، وأسامة محمد، أستاذ الفنون التشكيلية والعرائس، ولم تقتصر فعاليات الحدث على الأطفال فقط، بل والكبار أيضا.

اكتسى المعرض بالألوان البراقة المتلألئة وارتدت العرائس الألوان المزركشة المحملة بالكثير من البهجة، وحاول كل واحد من فناني العرائس إضفاء لمسته الخاصة على أعماله في محاولة لاستحضار روح “الليلة الكبيرة”، حيث ظهر في جميع الأعمال المقدمة إصرار على تأكيد الهوية المصرية بشخصياتها البسيطة كالفلاحة وصاحب المقهى (المِعَلم)، والأراجوز والمطربة الشعبية وخفير الدرك، بالإضافة إلى البعض من الشخصيات الفرعونية والتاريخية.

أسامة محمد، أستاذ الفنون التشكيلية والعرائس، ومؤسس فرقة “خيوط” المسرحية العرائسية، أكد لـ”العرب”، أن هناك جيلا جديدا من فناني العرائس بدأ في الظهور منذ منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، بعد اختفاء طويل استمر لسنوات، وأبرز أن هذا الجيل الجديد لديه شغف ملحوظ بتعلم هذا الفن، لكن المميز في الأمر هو أن لكل فنان شخصيته المميزة.

وتعود بدايات فن العرائس إلى قديم الزمان عندما عثر الإنسان على “الطوطم”، وهو “عروسة مطعمة بقشر البيض” ومع مرور السنوات تطوّر، وشهدنا خلال ستينات القرن الماضي في مصر حالة ازدهار لهذا النوع من الفن.

ويشير أسامة محمد إلى أنه خلال هذه المرحلة التي تميزت بالإنتاج القوي والثري، أنشئ مسرح القاهرة للعرائس.

وعانى فن العرائس في السنوات الأخيرة من إهمال كبير، وأثر ذلك على الأعمال، ولم يتم تقديم عمل جاد للأطفال، حتى وصلت الحال إلى جيل لا يهتم بالثقافة المصرية والعربية الأصيلة، والإغراق في الرموز الغربية التي تؤدي إلى المزيد من الاغتراب وانعدام الهوية الوطنية والانتماء.

ورأى أسامة أن العرائس، منتج فني شامل يحتاج إلى مهارات تشكيلية كبيرة من الصعب أن تتجمع في فنان واحد، حيث تبدأ رحلة العمل بالشغل المسطح ثنائي البعد، ثم ثلاثي البعد، تليه مرحلة التحريك، ثم توظيف الإكسسوارات والملابس، وكل ذلك إلى جانب تحريكها.

ومع ذلك، يشير أسامة إلى وجود مشكلة كبيرة تواجه هذا الفن حاليا، وهي ارتفاع أسعار الخامات المستخدمة، حيث يتم استيرادها من الخارج، وتحديدا من منطقة جنوب شرق آسيا، وهي إشكالية لا تواجه مصر وحدها، بل العالم كله، وطالب بضرورة عودة الاحتكاك الثقافي من خلال إرسال البعثات كما كان الأمر في البدايات.

ويعطي الإقبال على معرض “فنون العرائس” أملا في أن الجمهور العربي مازال مهتما وحريصا على مشاهدة فن العرائس، وكان هناك تفاوت بين الفئات العمرية، ما يتطلب المزيد من الدعم لتحقيق الاهتمام والعناية به، وعلى الرغم من محاولات القائمين على المعرض لإقامة ورشة تدريب على هامش فعالياته، إلا أن محدودية الإمكانيات المادية حالت دون ذلك.

تصوير: محمد حسنين

16