معرض فني عن سلطة القهر مستوحى من أشعار أمل دنقل

"لو لم يكن هذا الجدار" معرض تجهيزي جماعي يهتم بأنماط العزل والحبس والإقصاء بالشكل المؤسسي والمجتمعي.
الجمعة 2018/05/18
خيالات الأحلام وديستوبيا الكارثة

القاهرة – ختاما لمجموعة الفعاليات الفنية التي قدّمها “مركز الصورة المعاصرة” في القاهرة تحت عنوان “لو لم يكن هذا الجدار” والمستوحى عنوانه من إحدى قصائد الشاعر المصري الراحل أمل دنقل، صدر أخيرا كتاب مصوّر يحوي نماذج من المشاريع الفنية التي تم تقديمها على مدار عامين كاملين، وشملت معارض فنية ونصوصا سردية وقراءات.

واهتم المشروع، كما يقول منظموه، بأنماط العزل والحبس والإقصاء، وكان قد تم تقديم الفصل الأول منه قبل عامين تقريبا ليلحق به ثلاثة فصول أخرى.

وتناولت الفصول الأربعة من مشروع “لو لم يكن هذا الجدار” أنماطا متعددة للحبس، سواء في شكله المؤسسي، كعزل الأفراد في سجون ومصحات نفسية ومراكز احتجاز للاجئين، أو في أشكال أخرى كالعزل المجتمعي مثل الحرمان من ممارسة الحقوق الشخصية وتبديد الكرامة الجسدية.

وقد اعتمد “مركز الصورة المعاصرة” في تناوله لهذه الأنماط على عرض ومناقشة وإنتاج أعمال فنية ومواد نصية وبصرية لكتاب وفنانين عرب وأجانب.

ومن بين أبرز الفنانين الذين شاركوا في هذا المشروع يأتي الفنان السويسري أورييل أورلو، والذي شارك بعمل فيديو تحت عنوان “غير مكتمل” تتبع فيه سيرة الضحايا الذين نجوا من مذبحة دير ياسين في عام 1948.

واستعان أورلو في صياغة عمله بمجموعة من الصور الفوتوغرافية والوثائق والرسوم والمشاهد الأرشيفية المصوّرة لآثار المذبحة وضحاياها أو الناجين منها. وما يمثل مفارقة هنا أن الفنان قد انطلق في بناء مشاهده من صور مأخوذة من داخل مستشفى للأمراض النفسية شيّدت على أنقاض قرية دير ياسين في عام 1951 لمعالجة الناجين من مذبحة الهولوكوست التي ارتكبها النازيون ضد اليهود، وكان من روادها أحد أقارب الفنان نفسه.

وهذا المستشفى يجسد حالة من التناقض والازدواجية، كما يقول الفنان، والتي تتعامل بها إسرائيل مع الجرائم التي ارتكبت في حق الفلسطينيين، ففي الوقت الذي يتم إنكار ما ارتكب من مذابح في حق العرب يتم التباكي على ضحايا المحرقة فوق أنقاض القرى الفلسطينية.

كما قدمت الفنانة الفلسطينية ميرنا بامية، وهي فنانة تعيش وتعمل في مدينة رام الله، عملها تحت عنوان “هذه أرضنا الملغمة”، وهو عمل يمزج بين الفيديو والصوت.

وفي العمل جمعت بامية مجموعة من الفيديوهات المصوّرة بكاميرا الهاتف المحمول لحشد من اللاجئين الفلسطينيين وهم يعبرون الحدود الفاصلة بين سوريا وهضبة الجولان المحتلة، وتم تصوير هذه اللقطات في مايو عام 2011 في الذكرى الثالثة والستين للنكبة، ويشكل هذا الحدث المحاولة الأكثر جدية التي خاضها اللاجئون الفلسطينيون لممارسة حق العودة إلى أرضهم التي طردوا منها.

وخلال العرض الذي يستغرق حوالي الدقيقتين يقتحم المشهد حشد من الأشخاص يشكلون معا خطا متحركا من طرف الشاشة إلى طرفها الآخر مصحوبا بأصوات الهتاف الحماسية، ويركز الفيديو على حركة الأفراد والجموع في سبيلها لاختراق الأرض الملغمة على خلفية بيضاء وحيادية، حيث أزيلت الخلفية التي تشكل الأرض وتم الاكتفاء بصور الأشخاص العابرين للحدود.

أعمال فنية ومواد نصية وبصرية لكتاب وفنانين عرب وأجانب
أعمال فنية ومواد نصية وبصرية لكتاب وفنانين عرب وأجانب

ويفرد العرض مساحة لتلك اللحظة الحاسمة في حياة هؤلاء الأفراد وهم يتحدون مخاوفهم لأول مرة، حيث نستطيع أن نلمح من خلال الفيديو مشاعر التحدي والخوف وحتى القلق من المجهول عبر إيماءات وحركات الأفراد المنحدرين من أعلى الشاشة متجهين إلى الأسفل من دون أن نشهد خاتمة لهذا التدفق البشري.

ومن بين أبرز الأعمال المشاركة أيضا كان عمل الفنان أمادو الفادني، وهو فنان سوداني ولد ويعيش في القاهرة، وترتكز أعماله الأخيرة على توثيق التواريخ المهمشة، وخاصة تلك المرتبطة بتاريخ الاستعمار في القارة الأفريقية.

والعمل الذي قدّمه الفادني هو تجهيز متعدد الوسائط شمل الصوت والمنحوتات والنص السردي، وعرض تحت عنوان “العاج الأسود”، ويتتبع العمل الرحلة الشاقة التي كان يخوضها الأفراد المختطفون كعبيد من قلب القارة الأفريقية في طريقهم عبر الطرق الوعرة في السودان ومصر وصولا إلى موانئ البحر المتوسط.

ويعتمد العمل على خلق حالة من الاشتباك بين الصورة البصرية التي تمثلها قطع المنحوتات المصنوعة على هيئة قطع كبيرة من العاج الأسود، والسرد الصوتي لرحلة أحد هؤلاء العبيد بلغته الأصلية مع ترجمة نصية له مدوّنة في كتيّب صغير متاح للجمهور.

والعاج الأسود هو البضاعة التي كان يجبر المختطفون على حملها في طريق هجرتهم، كما أنها التسمية التي كان يطلقها عليهم تجار العبيد عادة.

ومن بين الأعمال التي تم عرضها أيضا عمل للثنائي الفلسطيني باسل عباس وروان أبورحمة، واللذين قدّما تجهيزا في الفراغ يتكوّن من صور ومقاطع صوتية
سجلهما الفنانان في مواقع مختلفة من الضفة الغربية، بجانب بعض المواد الفيلمية من الأرشيف.

ويربط عنوان التجهيز الوضع الحالي في فلسطين بفيلم “المقتفى” للكاتب والمخرج الروسي أندريه تاركوفسكي والمنتج عام 1979، وهو يدور حول مكان يخضع لمراقبة عسكرية صارمة، وهو موقع خيالي يجمع بين مشاعر الرهبة والرغبة معا.

17