معرض فني يكتشف الاحتمالات التي تتيحها الآلة للفنان

معرض "الفنانون والرجال الآليون" يكشف العلاقة بين النشاط الفني الجسدي للفنان والرجل الآلي.
الأحد 2018/04/08
تكوينان فنيان يكشفان عن قوة حضور التكنولوجيا في الخيال الفني

شكّلت التكنولوجيا تحدّيا كبيرا للمنتجات البشرية، وبالأخص الفنّية منها، إذ تلاشى مفهوم القدسية المحيطة بالعمل الفني، وانهارت هالته والطقوس الخاصة بصناعته وتلقيه، ويعتبر الألماني فالتر بينجامين من أشهر المنظرين في هذا المجال منذ بدايات القرن العشرين، إذ يرى أن الآلة وقدرتها على استنساخ العمل الفني وإنتاجه لمرات لا متناهية شرخت ادعاءات الأصالة المحيطة به، إذ يمكن نقله من مكان إلى آخر، وجعله متوافرا للجميع، إلى جانب التخلّي عن الجهد الفرديّ للفنان ومهارته، إلا أنّ تحول الآلة إلى جزء عضوي من شروط العصر، دفع الفنان إلى تبنيّ الآلات والمنتجات التكنولوجية، والاستفادة من قدرتها، التي تتفوق أحيانا على مهارته الجسدية، ما أدى إلى انهيار الصور الرومانسية للفنان العصامي،
الذي يعمل حصرا بيديه، بوصفهما الوحيدتين القادرتين على تكوين المادة وجعلها “فنّا”.

يشهد القصر الكبير في العاصمة الفرنسية باريس معرضا مميّزا بعنوان “الفنانون والرجال الآليون”، نكتشف فيه العلاقة بين النشاط الفني الجسدي للفنان والرجل الآلي، سواء كان هذا الآلي حاضرا أمامنا فيزيائيا، أو على شكل برنامج رقمي أو ذكاء اصطناعي، موجود بصورة مستقلة عن جسد الفنان.

يَستقبل المعرض أكثر من ثلاثين فنانا من جنسيات مختلفة، في دعوة إلى إعادة التفكير في مفهوم العمل الفني، سواء من حيث صناعته، وعرضه، أو آلية تلقيه من قبل الزوار، وخصوصا أن المفاهيم المتعلقة بالمهارة البشريّة، وقدرة الفرد على الإنتاج الأصيل، تلاشت أمام قدرة الآلة، ما يتركنا أمام التساؤلات التاليّة، ما الذي يمكن للفنان أن يقوم به، ولا تستطيع الآلة أن تقوم به على حد سواء، وهل يمكن اعتبار الآلة مشاركة في “صناعة” العمل الفني لا مجرد أداة هامشية؟

منحوتة آلية ترقص الباليه
منحوتة آلية ترقص الباليه

يتناول القسم الأول من المعرض الآلات التي تعمل لوحدها، أو تلك التي تقوم بصناعة العمل الفني بصورة مستقلة عن الفنان، كلوحات بي بوت “bebot” للفنان البرتغالي ليونيل مورا، والتي تقوم فيها سيارات صغيرة مزوّدة بأقلام ملونة، بالتحرك على قماشة ورسم خطوط وأشكال هندسية دون أن يتدخل الفنان فيها، فكل واحدة منها مُبرمجة بحيث تكتشف اللون الخاص بها، ففي البداية تكون حركتها اعتباطية، بعدها تقوم كل واحدة منها باختيار الألوان المناسبة لـ”الرسم” وفق برمجة خاصة، بحيث تتلاشى الحركة العشوائية وتتبنى كل سيارة أنساقا محددة وكأنها كائنات مستقلة، تكوّن ما تراه مناسبا.

يحوي المعرض أيضا أولى المنحوتات “السيابرناتيكية” للفنان الفرنسي نيكولا شوفر باسم “CYSP”، والتي نشاهد فيها تكوينا آليا أنجز عام 1956، تشكّله الأسلاك واللوحات الملونة والأضلاع المعدنية، والمميّز في هذه المنحوتة أنها قادرة على الحركة والرقص بصورة مستقلة، بالاعتماد على الألوان التي تتلقاها من الخارج والتي تتحكم بحركتها، ويُذكر أن هذه المنحوتة عرضت للمرة الأولى في الشارع بباريس، كما شاركت في عروض بالية متعددة إلى جانب راقصين محترفين.

نتعرف في القسم الثاني من المعرض على الأعمال الفنيّة المبرمجة سابقة، والتي لا نرى فيها الرجل الآلي، بل نرى نتائج عملية التشفير الرقميّة التي تُستخدم فيها لغات البرمجة المختلفة، ليكون العمل الفنّي نتاج الآلة بصور صرفة، كأعمال المعماري مايكل هانزماير، الذي يدمج التكنولوجيا الرقمية مع العمارة، إذ نشاهد في المعرض آخر عمل له، بعنوان “أعمدة”، وهو مجموعة من الأعمدة التي قام برسمها برنامج رقمي قام هانزماير بتصميمه، هذا البرنامج يقترح أشكالا متعددة للأعمدة المستخدمة في العمارة، بوصفها وليدة خيارات تصميمية وجمالية مدرجة سابقا، ما يجعلنا أمام عدد لا متناه من الاحتمالات والأشكال الزخرفية، بعدها قام هانزماير بطباعة هذه الأعمدة بصورة ثلاثية الأبعاد، وبالحجم الطبيعي، تاركا لنا حرية تأمل تفاصيلها التي تمثل عناصر جمالية ومعمارية مختلفة.

نشاهد في القسم الأخير من المعرض، الأعمال التي تعتمد كليّا على الذكاء الاصطناعي، والتي يتحرر فيها الرجل الآلي من السطوة الإنسانية، لتترك له حرية “التفكير”، عبر عملية التعلم الاصطناعي من البيئة المحيطة به، كما في عمل “إنذار 1”، الذي صممه الفرنسي نيكولا داروت، ونشاهد فيه فأرة اصطناعية تعلم فما آليا كيفية النطق، وما يثير الاهتمام أن عملية التعليم هذه مستقلة عن الخارج، فبعد أن أنهى الفنان التصميم، ترك للفأرة عملية التعليم، إذ تسجل ما حولها وتلقنه للفم الاصطناعي، فاللغة هنا تكتسب بعدا آخر، بوصفها لا تمثل فقط حدثا واقعيا بل سايبريا أيضا، بوصفها مفهومة للآلة لا فقط للجنس البشري.

14