معرض فني يكشف النقاب عن حضارة أحفاد "سبأ" وبنات "بلقيس"

الفنان التشكيلي اليمني وسام العنثي يستلهم عيون التراث اليمني في معرض فني بالقاهرة
الأحد 2020/02/16
الخصوصية التعبيرية للوجه والزي الشعبي وغطاء الوجه والحليّ

أطل الجمهور المصري على الموروث الشعبي اليمني بعراقته وأصالته وتنوعه، عبر معرض تشكيلي اختتم مساء الإثنين 10 فبراير بالقاهرة، وعكست أعماله سمات الحياة الريفية والحضرية والصحراوية، وملامح وجوه البشر من الكبار والصغار، وأزياء الرجال والنساء، وخصوصية الأبنية المعمارية، وكل ما يتعلق بالطبيعة اليمنية بسمائها وأرضها وأشجارها ومائها وكائناتها، ومنظومة الحرف اليدوية والمهن والصناعات التقليدية والعادات والمراسم الاجتماعية والدينية، والتقاليد الباقية عبر الأجيال.

الفن في أخصب صوره وأنضجها هو مطيّة التنقل بين الأزمنة والأمكنة لقراءة صفحات التاريخ الناصعة، واستدعاء ثمار الحضارات غضّة كما هي، بدون أن يشوبها العطب. والفنون البصرية على وجه الخصوص هي ذاكرة الشعوب ودفتر أحوالها، وسجلّ الحياة الحقيقية بكل تفاصيلها اليومية ومشاهدها الزاخمة.

في هذا الإطار، جاء معرض “تراث اليمن” للتشكيلي اليمني وسام العنسي في مقر مركز الهناجر للفنون بدار الأوبرا المصرية في القاهرة، إذ قدّم على مدار ثلاثة أيام بانوراما كاملة لسائر أنماط التراث اليمني بمختلف المناطق والأقاليم، من خلال أكثر من أربعين لوحة بالألوان الزيتية المشتعلة على خامة القماش الطيّعة.

عنيت الفنون التشكيلية على مرّ العصور بتسجيل حصاد الحضارات وتراث الشعوب، فلولا النقوش والرموز والرسوم على جدران المعابد والمسلات المصرية القديمة والبرديات الخالدة والأحجار الأثرية ومتون الأهرام، لما عرف أحفاد الفراعنة تفاصيل حياة أجدادهم، وأمجاد الماضي وسير الملوك والقادة والفاتحين ومنجزات العلماء والمبدعين في سائر المجالات، إلى جانب الأمور العقائدية والرقيّ الروحاني والديني، وانتشار فكر التوحيد.

بدورها، تمدّدت حضارة “مملكة سبأ” في اليمن القديم منذ القرن الحادي عشر قبل الميلاد وانطلقت في فضاءات التاريخ الرحبة حتى وصلت إلى يومنا هذا عبر مسارات متعددة، منها مسارات فنية بالضرورة حفظت تجلّيات تلك الحضارة وتمثلاتها كأقوى الاتحادات القبلية، مثلما أوردت النصوص الآشورية، ومثلما عكست جُملة التماثيل والمنحوتات والأعمال الفنية الحافظة للثقافة من الاندثار، والناقلة لحركة الواقع المعيش بملوكه وكهنته ومعابده ومقاتليه وفلّاحيه وعمّاله وكافة فئات الشعب.

الواقعي والمتخيّل

شموخ المعمار إلى حد بلوغ السماء
شموخ المعمار إلى حد بلوغ السماء

وفق هذا المنهج الرامي إلى أن يكون الفن ذا شقّين؛ شق جمالي مجرد وشق توثيقي، نسج الفنان اليمني وسام العنسي، المقيم في القاهرة، عوالم معرضه القاهري الذي لقي حضورًا طيبًا من المصريين وجنسيات عدة، كما حظي برعاية رسمية من وزير الثقافة اليمني وسفير اليمن بالقاهرة والمستشار الثقافي والمركز الثقافي اليمني في مصر، إذ تجاوزت لوحات “تراث اليمن” الرؤية الذاتية الفردية، طامحة إلى أن تكون جسرًا فنيًّا وثقافيًّا ودبلوماسيًّا للتعريف بتراث اليمن وحضارته.

أوضح العنسي أن ما يخص الموروث اليمني لا يعني الابتعاد الكامل عن الحاضر والاتكاء فقط على المعرفة والذاكرة الشفاهية والكتابية، فهذا الموروث الذي جسّدته اللوحات هو مزيج من المتخيّل والواقعي في آن، فما هو تراثي لا يزال مقيمًا في اللحظة الراهنة، ومتغلغلًا في الكثير من الأمكنة، خصوصًا في الريف والبادية.

وأشار لـ”العرب”، إلى اتساع مجالات التراث التعبيرية والدلالية، وتعدد عناصره ومفرداته لتشمل كل ملامح الحياة الشعبية وسماتها، وأهم المعطيات البشرية والبيئية والطبيعية والمعمارية وغيرها، الأمر الذي فتح لوحات المعرض على حقول متنوعة في البر والبحر والحقول والصحاري، وفي داخل البيوت وفوق قوارب الصيد وفي أثناء الترحال والتجوال، وفي المناسبات والاحتفالات الاجتماعية والدينية، وفي حالات الفرح والحزن، والعمل والسمر والاسترخاء.

ولفت إلى أن الواقعية التأثيرية وسمت لوحاته المتعمقة في تقصّي التراث اليمني بمختلف المناطق، قائلا “التعبير عن التراث، والتعاطي معه فنيًّا، والتماهي مع مفرداته بهدف دمجها في الروح وحركة الحياة المعاصرة، ليس مجرد تسجيل لما كان أو ما هو كائن، وإنما هو استشفاف لفلسفة هذه المشاهد التي يجري التعبير عنها، وكشف خصوبة الحالات المزاجية وطقوسها المتنوعة، وفهم خصوصية الشخصية اليمنية ومقوماتها النفسية والحضارية، فهكذا يحوّل الفن التراث إلى حكايات حيوية وتفاعلية من لحم ودم وضوء”.

في المعرض الذي حوى تراث حفيدات “بلقيس” وأحفادها، تلمس الفنان وسام العنسي المعالم اليمنية المتجذرة في التاريخ، خصوصًا متعلقات مملكة سبأ التي اشتهرت بسدودها وعلى رأسها سد مأرب، وامتلاك نواصي القوافل والرحلات التجارية والهيمنة على طرائق البخور واللبان والعطور، بما جعلها مملكة ذات أهمية كبرى في العالم القديم.

وجوه وملامح

قراءة المكان إبحار في خارطة البشر
قراءة المكان إبحار في خارطة البشر

بلغت لوحات معرض “تراث اليمن” النابضة مرادها بأقصر الطرق، باتخاذ أيقونات هذا التراث ورموزه الحيوية كمفاتيح للأعمال الفنية ومحاور تدور حولها التجربة، وشكلت البورتريهات وقسمات الوجوه البشرية أبرز اهتمامات الفنان، بتراكيبها ذات الطبيعة الخاصة، ونظراتها المتأملة والشاردة في لحظات متباينة، وبلورت وجوه النساء وكبار السن والأطفال هذه الصبغة اليمنية التي ركز عليها الفنان، خصوصًا عند انسجامها مع أغطية الرأس والأزياء الشعبية المميزة.

تعامل الفنان وسام العنسي مع المعمار اليمني بوصفه مرآة من مرايا الهوية والشخصية، “فإذا وصفتَ البيتَ فقد وصفتَ الإنسان”، بحدّ مقولة باشلار، وأبدع في تصوير البيوت والجدران والبوابات والقباب والقلاع والأكواخ وغيرها، وبخاصة هذه الأبنية المعلقة فوق الجبال والتلال، وذات الألوان الزاهية المتأجّجة، بما تحمله من وهج وإثارة للتحدي.

وتتبّع العنسي بأناة سائر المراسم والممارسات الاجتماعية والدينية المتنوعة، وأثبتها بإيقاعاتها الحركية، وانسيابيتها الموسيقية، سامحًا كذلك للرياح والأمواج والخيول والإبل وأجنحة الطيور بمشاركة الفئات المختلفة من البشر صولاتهم وجولاتهم ورحلاتهم اللاهثة، كسبًا للعيش، وتعقبًّا لخيوط الأمل التي لا تنقطع، بما جعل المعرض الحاشد جديرًا بعنوانه “تراث اليمن”.

13