معرض فوتوغرافي يتمرد على المعنى التقليدي للاستشراق

سما الشيبي فنانة أميركية من أصول عراقية فلسطينية تواجه الصورة النمطية للمرأة العربية في "عرض متخيّل".
الاثنين 2019/10/07
الصورة سلاح المقاومة الفلسطينية في العصر الحديث

تحصلت الفنانة سما الشيبي في وقت سابق على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) عن مشروعها “يحملن أوزارا” والذي تجمع فيه بين النحت والتركيب والتصوير، وتسلط من خلاله الضوء على التحديات الاجتماعية والسياسية التي تواجهها النساء في الشرق الأوسط، وفي معرضها الجديد المقام حاليا في قاعة “أيام” بمدينة دبي الإماراتية، تواصل الشيبي تقديم نسائها المتمرّدات في “عرض متخيّل” هو ما تتمنّاه، ربما، لبنات جنسها.

دبي - صورة فوتوغرافية حيادية اللون لامرأة ترتدي السواد وتقف شامخة في مواجهة الكاميرا، نظرة المرأة فيها لا تخلو من التحدي، تستند بيدها اليمنى إلى خصرها، بينما تحمل اليسرى منجلا يصلح لأن يكون سلاحا. تحمل المرأة فوق رأسها صندوقا خشبيا من تلك النوعية التي كانت تحتفظ فيها النساء في الشرق بأشيائهنّ القديمة أو الثمينة. تبدو الصورة بالغة القدم كصور المستشرقين المولعين بالشرق.

وهذه الصورة الفوتوغرافية هي واحدة ضمن مجموعة أخرى من الصور التي تعرضها قاعة “أيام” في مدينة دبي الإماراتية حتى منتصف نوفمبر القادم للفنانة سما الشيبي تحت عنوان “عرض متخيل”.

وسما الشيبي فنانة أميركية من أصول عراقية فلسطينية، تعمل حاليا أستاذة للتصوير الفوتوغرافي والفيديو والصورة بجامعة أريزونا في الولايات المتحدة. تتردّد في أعمالها الكثير من القضايا الإنسانية التي ترتبط عادة بالحروب ومناطق الصراع في العالم، بالإضافة إلى تجربتها الشخصية مع الاغتراب. وعبر أعمالها تلك تستكشف الشيبي مناطق الصراع والأزمات، مبرزة تأثيرها على حياة السكان والبيئة.

ومن خلال الأداء والفيديو والتصوير الفوتوغرافي والتركيب تضع سما الشيبي جسدها كعنصر استعاري لهذه الحروب والصراعات، فهي تظهر كعامل مشترك بين أعمالها، موظفة جسدها ضمن مشاهد أدائية مُتخيلة.

أسلوب خاص

عبر الأداء والفيديو والتصوير الفوتوغرافي والتركيب تضع سما الشيبي جسدها كعنصر استعاري للحروب التي خاضتها البشرية
عبر الأداء والفيديو والتصوير الفوتوغرافي والتركيب تضع سما الشيبي جسدها كعنصر استعاري للحروب التي خاضتها البشرية

تهتم سما الشيبي على نحو خاص بالمنطقة العربية التي طالما كانت مثيرة لأعين المستشرقين، هذه المنطقة التي ارتبطت عبر قرون بالكثير من الأفكار النمطية التي غذّتها كتابات الرّحالة والمستكشفين بالروايات الخيالية والأساطير، وانعكست بلا شك على أداء المصوّرين الغربيين خلال السنوات الأولى التي أعقبت ظهور التصوير  الفوتوغرافي، والذين مثّل الشرق بالنسبة إليهم حالة استثنائية يلفها الغموض والدهشة، فتكرّرت في أعمالهم مواضيع مثل الحمامات العربية ومخادع النساء والأسواق والرجال بأزيائهم الملونة. فإلى الشرق وفد العشرات من هؤلاء المصوّرين وفي أذهانهم تلك الصورة النمطية التي حاولوا البحث عنها بشتى الطرق، وربما قاموا باختلاقها أحيانا حين لم يعثروا عليها.

من هناك، تبحث سما الشيبي عن هذه الصورة النمطية في أعمال هؤلاء الفوتوغرافيين الأوائل وتعيد صوغها من جديد بأسلوبها الخاص، كما تمزج في ما بينها وبين عناصر أخرى معاصرة وتضفي عليها شيئا من المفاهيمية المرتبطة برؤيتها الشخصية لنفسها وللعالم.

وتنفرد الفنانة بأسلوبها الفوتوغرافي الخاص، فهي تعالج صورها بنفس التقنيات والوسائط القديمة التي استعملها رواد التصوير الفوتوغرافي خلال القرن التاسع عشر. وذلك عبر مراحل وأساليب معقدة في التعامل مع الصورة، تستخدم خلالها أنواعا معينة من الأحماض والألواح المعدنية وأوراق الطباعة، حتى تظهر الصورة في النهاية كأنها تنتمي إلى عالم آخر. وعبر هذه الصور تبدو الشيبي كأنها تستقل آلة للسفر عبر الزمن لتنتقي مفرداتها كما تشاء من حقب وأزمان مختلفة.

نراها تحمل فوق رأسها أواني معدنية أو صندوقا خشبيا، أو مجموعة من السلال اليدوية، ونراها في صور أخرى وهي تحمل السلاح متأهبة للمعركة. وفي صور أخرى تتّخذ أوضاعا ثابتة ومهيبة كأنها تنظر إلينا من زمن آخر، وهي تتقمّص أدوارها بمهارة، فتبدو مختلفة في كل صورة عن الأخرى.

ربما يبدو استخدام سما الشيبي لصورتها الشخصية كوسيط بصري في تلك الأعمال متسقا تماما مع تجربتها الحياتية، هذه التجربة المعلقة بين هويات مختلفة. وهي تعيد من خلال هذه الصور اكتشاف نفسها في أوطان لم تنعم فيها بالحرية والاستقرار مع شعور دفين بالاغتراب، فهي العراقية من أم فلسطينية، وهي الفلسطينية من أب عراقي، وهي أيضا الأميركية من أصول شرق أوسطية، والتي يُنظر إليها أحيانا بعنصرية أو ربما باستعلاء.

تسليط الفنانة الضوء هنا على جذورها الشرقية يبدو كنوع من الاحتماء أو ربما محاولة للكشف والتنقيب عن ملامح تلك الصورة النمطية التي تحمل أحيانا نوعا من التحريف في الثقافة الغربية. هي تخاطب المُشاهد من منظور أنثوي، محتفية في نفس الوقت بالثقافة التي ينتمي إليها أسلافها.

كشف وتنقيب

صورة الأنثى في أعمال الشيبي تبدو مفعمة بالحيوية والصمود والتحدي، لكنها لا تخلو أيضا من ميل أنثوي للاستعراض
صورة الأنثى في أعمال الشيبي تبدو مفعمة بالحيوية والصمود والتحدي، لكنها لا تخلو أيضا من ميل أنثوي للاستعراض

تبدو هوية الفنانة الفلسطينية ظاهرة من خلال تسليطها الضوء على المرأة الفلسطينية المكافحة والصبورة، فهي تحتفي بها، مناصرة إياها في مواجهة العنصرية والتهميش الثقافي أيضا، فالمرأة هنا هي رمز للأم وللوطن والحنين إليه. تبدو صورة الأنثى في أعمال الشيبي مفعمة بالحيوية والصمود والتحدي، لكنها لا تخلو أيضا من ميل أنثوي للاستعراض.

في عملها المعروض تحت عنوان “جيل بعد جيل” تستعرض الشيبي ثمانية مشاهد تمثل خلالها المرأة الفلسطينية بزي الحرب مع خلفيات موحدة وتقشّف في استخدام العناصر.

لا يربط بين الصور الثماني سوى السلاح الذي تحمله المقاتلة وهي واقفة أو جالسة، صورة واحدة فقط تخالف المشهد، وهي الصورة التي تحمل فيها كاميرا فيديو في إشارة إلى الصورة كسلاح فعال في العصر الحديث.

تتدخل الشيبي في تركيب الصور بالحذف والإضافة أحيانا، فتضيف عناصر إلى المشهد أو تحذف عناصر أخرى، من أجل تسليط الضوء على مفردة بعينها، لكنها على كل حال تحرص على الاحتفاظ بالروح التي وسمت الصورة الفوتوغرافية في النهاية.

وإلى جانب التصوير الفوتوغرافي تمارس الشيبي العمل أيضا على مجموعة من الوسائط الأخرى كالفيديو والأعمال التركيبية، وغالبا ما تشي أعمالها بانتمائها الإنساني، فهي تسعى إلى لفت الانتباه إلى عدد من القضايا التي تهم البشرية كالتصحّر والتغيّر المناخي مثلا، كما في مشروعها الذي عملت عليه على مدار سنوات وقد حمل عنوان “السلسلة”، والذي استكشفت من خلاله الملامح البيئية لعدة بلدان إسلامية في المنطقة العربية وشمال أفريقيا وآسيا.

وفي مشروع “السلسلة” تتبّعت الشيبي تجربة الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة في القرن الرابع عشر، والذي وثّق رحلاته بين البلدان والعواصم التي زارها على مدار أكثر من ثلاثين عاما في كتابه الشهير “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” والذي يعدّ اليوم مرجعا هاما لأدب الرحلات.

زارت سما الشيبي نفس الأماكن التي تحدث عنها ابن بطوطة في كتابه، وحاولت إظهار الاختلافات بين ما رآه صاحب الرحلات وبين ما هو موجود أمامها اليوم، رابطة ذلك بالتغير البيئي وشُحّ المياه والتصحّر الذي يهدّد الكثير من المجتمعات والمساحات الجغرافية في أفريقيا وآسيا.

17