معرض فوتوغرافي يلتقط مساحات اللامكان

مصورون يستكشفون المعاني الشعرية العنيفة لجغرافيات المنفى في معرض تصوير فوتوغرافي جماعيّ بعنوان "معلّقا" بالعاصمة الفرنسية.
الأحد 2018/03/25
تمثيل لأيقونة التراجيديا البحرية: الطفل إيلان

يرى المفكر الإيطالي جورجيو أغمبين أن الديمقراطيات الحديثة قائمة على أساس خلق مساحات للاستثناء، وهي جغرافيات لممارسة العنف على الأفراد يُجردون فيها من حقوقهم السياسيّة، هذه “المخيمات” مصممة كي تحافظ على حياة الفرد بالحدود الدنيا فقط، ليبقى حبيس عوالم من اللاحسم واللاقانون، فأماكن الانتظار في المطارات ومخيمات اللاجئين والمدن المحاصرة، كلها مساحات للاستثناء يعطّل فيها القانون، ليبقى الفرد أسير بيروقراطية وعنف يتحكمان بمصيره، ويتركانه معلقاً ومحكوما بأهواء السلطة ورغباتها السياسيّة.

تشهد صالة “لا بال” في العاصمة الفرنسيّة باريس معرض تصوير فوتوغرافي جماعيّ بعنوان “معلّقا”، يشارك فيه أربعة عشر فنانا ومصورا من جنسيات مختلفة بمجموعة من الأعمال التي تحاول أن تلتقط الحالات التي يكون فيها الإنسان “معلّقا”، وتقول ديان دوفور صاحبة الصالة عن المعرض إنه يسعى لتحديد مفهوم هشّ وصعب الالتقاط، أشبه بمجاز شعريّ لا يمكن لفظه، بل يمكن فقط التلويح به، لتأتي الصورة كبلاغة بصريّة لتوثيق الحضور البشريّ في الحالات التي يكون فيها المرء محروما من التمثيل القانوني، وخاضعا لعنف مُرتجل ناتج عن سياسات الإقصاء الممنهجة التي تمارسها السلطة السياسيّة.

الصور في المعرض مفاهيميّة، وتسعى لتلمس حالات تكون فيها الحركة مساوية للسكون، حيث لا مستقبل يمكن بناؤه ولا ماض يمكن الرجوع إليه، كمن يوثق حالة شخص عالق في منتصف الطريق بوصفه مساحة للعبور المؤقت نحو وجهة ما، وفي فضاء العبور هذا يمكن لأحدهم أن يعجز عن الاستمرار، أو أن ينتفض على السياسات التي تتحكم بالتدفق البشري، أو يرفض دوره كفرد في المجتمع، هذه الاحتمالات تحضر في عمل للمصور الألمانيّ سيباستيان ستومبف باسم “مقتطف من بركة”، وفيها نشاهد رجلا مستلقيا في بركة ماء على أسفلت برلين. هو لم يسقط، بل قرر أن يأخذ وضعية مخالفة لتلك المألوفة في الفضاء العام المسيّس، هذه الصورة مشابهة لأعمال ستومبف السابقة التي يلتقط فيها لحظات السقوط والوقوع واللاحركة في مكان شبه مغلق، كمن يحاول التقاط لحظات الهروب أو السهو عن الطريق.

Thumbnail

يحضر في المساحات المعلّقة مفهوم التكرار، إذ نرى الفرد حبيس حلقة لا يمكن له الخروج منها، لتتناهى حركته حينها إلى السكون، كون التكرار لعنة لا فكاك منها، حينها يفقد الزمن قيمته كونه غير مُنتج، والفرد في هذه الحالة يصبح أشبه بأسير لعبة مصممة كي يخسر فيها، هذه الحركة العدميّة يلتقطها الفرنسي لوك دولاهي، في شريط نرى فيه مجموعة من العمال الفلسطينيين الذين يمرون على حواجز التفتيش الإسرائيليّة، هم ضحايا نظام أعاد ترتيب الزمان والجغرافيا ضدهم، هذا النظام يتبنّى ما يسمّى سياسات العداوة، التي تتحكم بتدفق البشر وتجعلهم أسرى فضاءات مصممة للهيمنة عليهم.

يستدعي المعرض أيضا سجن غوانتانامو بوصفه أشهر مساحات الاستثناء السياسيّة، والذي تمارس فيه السلطات الأميركيّة مختلف أشكال العنف، إذ نشاهد مجموعة من الصور التي التقطتها ديبي غورني لأربعة عشر سجينا سابقا في غوانتانامو، أولئك الرجال اختطفتهم القوات الأميركيّة دون تهم واضحة ولم يقدموا للمحاكمة.  والمميز في الصور أننا لا نرى أوجه الرجال حتى بعد إطلاق سراحهم، إذ صورتهم غورني من الخلف في فضاءات في بلدانهم الأصليّة كمصر وتونس وغيرهما، موجهة الانتقاد لقوانين السجن التي تمنع التقاط صور لأوجه السجناء، لتبدو محاولتها هذه توثيقاً لعنف خفيّ لا تمحى آثاره، فسجناء غوانتانامو السابقون وحتى بعد خروجهم لا يزالون أسرى دمغة “الإرهابيين” التي تلصق بكل من كان هناك.

نرى في المعرض مجموعة من الصور للهولندي هانك واديلشوت، والتي توثق جوانب الحياة المختلفة في مخيم كاليه شمالي فرنسا، بوصفه أشد مساحات الاستثناء إشكاليّة، والتي مازالت الحكومة الفرنسيّة تحاول إيجاد حلّ لها، فالمخيم السابق كان أقرب لمدينة قائمة على علاقات وبنى ماديّة هشة، وهو مهددٌ دوما بالانهيار كون الحكومة قادرة على إزالة كلّ شيء بوصفه “غير قانوني”، أما اللاجئون هناك، فهم أسرى اللامكان ولا تمثيل قانونيّا لهم، أشبه بأجساد معلقة بين الحياة والموت في مساحات استثناها النظام القائم.

13