معرض كتاب البحرين بين المراكز والأطراف

معارض الكتاب لا تقف مسؤوليتها عند الحد التوزيعي، بل تتعداه إلى تعريف القراء بالدور العريقة وكتبها الرائدة وقيمتها المعرفية.
الاثنين 2018/04/09
القراء يواجهون معادلة نسقية تسويقية في معارض الكتب الدولية

ما إن تدخل العتبات الأنيقة لبوابات معرض البحرين الدولي للكتاب المقام مؤخرا بجوار قلعة عراد التاريخية بمدينة المحرق إلا وتصطدم بدور “الهشتك بشتك” ذات الكتب المعادة طباعتها ثلاثين مرة وأكثر، والمعنية بتسويق روايات المراهقين والمراهقات التي لم يسمع أحد بكتّابها، والتي تعزز من مفاهيم الجهل المؤسساتي المعمّم كما يدعوه محمد أركون، بينما تضيع الدور العربية العريقة مثل دار ورد والساقي والمدى والجمل وغيرها في أطرف أطراف المعرض، وكأنها هامش ضئيل في متن هائل. الأمر الذي يؤثر سلبا بطبيعة الحال على مبيعاتها، وبالتالي على قدرة الدار على التماسك والاستمرارية لأعوام قادمة.

ربما من أكثر الأمور أهمية في نجاح تنظيم معارض الكتب العربية هو ثقافة المنظمين التي تخضع في العادة لمتطلبات السوق وفق معادلة صارمة يحكمها المال من جهة، والثقافة من جهة أخرى دون تدخل أي حسابات أو اعتبارات ثانية.

هذه الإشكالية عميقة لكونها قادرة على تقديم دور النشر السطحية ذات التاريخ الجديد للمركز بينما تدفع بالدور الرائدة إلى الأطراف متناسية تاريخها الثقافي العميق جراء ضغط معادلة كوميدية مضحكة تقول “السوق عاوز كده”.

إننا كقرّاء في مواجهة معادلة نسقية تسويقية، وإن كانت عامة، لكنها تغيب في بعض معارض الكتب الدولية التي تشرف على تنظيمها كوادر ذات ثقافة عالية تفهم طبيعة الدور وإصدارتها وعمقها التاريخي، لكنها تحضر واضحة حينما يكون الكادر التنظيمي ذا ثقافة طارئة، أو جاهلة بطبيعة هذه الدور وتاريخها في صناعة وعي أجيال عربية متلاحقة.

أكثر الأمور أهمية في نجاح تنظيم معارض الكتب العربية هو ثقافة المنظمين التي تخضع في العادة لمتطلبات السوق وفق معادلة صارمة يحكمها المال من جهة

يغلب على المنظمين أن يكونوا موظفين عاديين منحدرين من سلم وظيفي إداري في الوزارت أو هيئات الثقافة، وقد يكونون لم يقرأوا في حياتهم كتابا واحدا، ثم يجدون أنفسهم، بحكم أعمالهم الإدارية البحتة، أمام مئات الدور العربية المشاركة، والتي على أغلب الظن لم يسمعوا بها من قبل، وعليهم أن يعيدوا ترتيبها في مساحة محددة محكومة بالعرض والطلب، وربما بالعلاقات العامة وبالمعارف القبلية والعشائرية والشللية التي لا يمكن التخلص منها وفق الأعراف العربية والخليجية تحت مظلة “طلبتك يا الشيخ”. إنها وظيفة سهلة ممتنعة بالفعل.

هذا التوزيع غير العادل لمواقع الدور والمؤسسات والهيئات والجامعات في أركان المعرض المترامية يقدّم لنا تساؤلا مشروعا حول مدى معرفة المنظمين وثقافتهم واطلاعهم على تاريخ المعارض العربية والدور الحاملة لها كمنتجين للثقافة منذ نشأتها في الوطن العربي حتى يومنا الراهن، ويضعنا أيضا أمام حقيقة مرة بأن المال الذي تمتلكه بعض الدور الطارئة قادر على تسويق الهامش على أنه متن، والمتن على أنه هامش. وبالطبع، أمام هذه النتيجة الواضحة سيدافع منظمو المعارض باستعراض نتائجهم الإحصائية الرقمية، وسيتباهون بعدد الزوار وبأرقام المبيعات الفلكية، متناسين المعيار الأهم المتعلّق بطبيعة الكتب المبيعة، وبقيمتها الثقافية والمعرفية في صناعة العقول القارئة الجديدة.

لا شك أن القارئ المحترف غير معني بمواقع الدور، فهو يأتي إلى المعرض باحثا عنها أيا كان موقعها، سواء أكانت في المركز أو في الأطراف، في الهامش أو في المتن، غير أن القارئ الجديد ستبتلعه وتبتلع محفظته دور المراكز قبل أن يصل إلى ربع مساحة المعرض.

لهذا أرى أن معارض الكتاب لا تقف مسؤوليتها عند هذا الحد التوزيعي، بل تتعداه إلى تعريف القرّاء، لا سيما الجدد بالدور العريقة وكتبها الرائدة، وقيمتها التاريخية والمعرفية، لا، وبل عليها بالإضافة إلى ذلك مسؤولية تاريخية تتمثل في دعم الدور الحقيقية بكل ما تمتلك من قوة مادية ومعنوية لتضمن للقراء دورا تقدّم كتبا حقيقية وليست بلاستيكية. ولعل أبسط خدمة تقدّم لها هي وضعها في المراكز.

14