معرض لتاريخ الأديان الثلاثة يجسد التسامح والتعايش في مصر

تمكنت مصر بعد أن أزاح شعبها الإخوان المسلمين من سدة الحكم إبان ثورة يونيو، من أن تعيد بناء ثقة العالم فيها عبر جملة من الإصلاحات السياسية والدينية أعادت لمصر حضورها القوي على المستوى العربي والدولي في مجال ترشيد الخطاب الديني وبلورة نموذج مجتمعي قائم على التعايش والسلم بين المواطنين المصريين من مختلف الأديان والطوائف. ولم تنته أحداث يونيو من سنة 2013، حتى بدأ النظام الجديد في بث رسائل الطمأنة للأديان في مصر بعد أن دب الخوف أثناء حكم الإسلاميين.
الخميس 2015/05/21
جانب من المعرض يصور تعاقب تاريخ الأديان على الأرض ذاتها

القاهرة – بافتتاح معرض الآثار الدينية في مصر “إله واحد وديانات ثلاث: التسامح الديني على أرض النيل”، عادت أسئلة الانفتاح الديني والطائفي الذي يميز المجتمع المصري لتطرح مرة أخرى في ظل تخلص المصريين من الحكم الديني الذي جاء به الإخوان المسلمون. وهو حدث ثمن حقيقة تاريخية مفادها أن مصر، أرض الأديان والحضارات، لا تتأثر بظرف سياسي بعينه يمر بمرور الزمن، وإنما أًصالة التعايش تعد جزءا من التركيبة النفسية الاجتماعية للمصريين.

وتتجاور قطع أثرية في معرض بالمتحف المصري المطل على ميدان التحرير، في شكل أراد القائمون عليه أن يكون عاكسا لفكرة “الابتهال الواحد الذي يتوجه به المصريون إلى رب واحد بثلاث لغات أو ديانات سماوية”.

فإلى جانب حفر يمثل الشمعدان اليهودي توجد لوحة ملونة تمثل السيد المسيح على الصليب وتتخذ هيئة باب مفتوح على مصراعيه، فيبدو في كل منهما من الداخل المسيح مصلوبا.

أما الأعمال التي تجسد الدين الإسلامي فتميل إلى التجريد وتجنب التجسيد حيث تتنوع الكتابات بخطوط عربية مختلفة فضلا عن استخدام فنون الزخرفة.

ويضم معرض “إله واحد وديانات ثلاث: التسامح الديني على أرض النيل” لوحات توضيحية عن النبي إبراهيم الملقب بأبي الأنبياء الذي تنسب إليه الديانات السماوية “الإبراهيمية” الثلاث التي جسدت معاني التسامح الديني وحققت مبدأ التعايش بين المصريين. كما يضم المعرض الذي افتتحه ممدوح الدماطي وزير الآثار، 48 قطعة أثرية ويقام ضمن أنشطة تنظمها وزارة الآثار احتفالا باليوم العالمي للمتاحف في أواسط مايو من كل سنة.

ماجدة شحاتة هارون: مصر كانت ولا تزال أرض التسامح وحاضنة لكل الأديان

وحضرت الافتتاح فريدريكا زايفريد مديرة المتحف المصري ببرلين وممثلان عن شيخ الأزهر والبابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وماجدة شحاتة هارون رئيسة الطائفة اليهودية بالقاهرة.

وقد أكد هذا الحضور الممثل للأديان الثلاثة أن حدث افتتاح معرض الأديان التي تعاقبت على مصر قد حقق الرسالة المنتظرة منه، مفادها أن الوطن للجميع والدين لله.

وقالت هارون رئيسة الطائفة اليهودية إنها تعتبر المعرض فرصة للقاء مؤثر لما يكتسيه الحدث من بعد إنساني وعالمي، مضيفة أنه “ذو قيمة عالية جدا بالنسبة لي أنا كيهودية، لأن مصر كانت ولا تزال منذ آلاف السنين، رغم كل ما ألم بها من نكبات وصعوبات، أرض التسامح وحاضنة لكل الأديان”.

وأضافت أن الديانات الثلاث تشترك في عامل واحد مشترك وهو التوحيد، “الأسماء تختلف لكن هناك إله واحد”. وهو العامل الذي ركزت عليه مداخلتها باعتباره عامل جمع وليس تفريق وعامل تصالح وتعايش وليس تناحر وتقاتل، ففلسفة التوحيد تقوم على لم شمل الأديان التوحيدية وتناسي التفاصيل في العبادات والشكليات.

وتابعت هارون قائلة إن هناك تشابهات كبيرة بين الإسلام واليهودية منها عادات الدفن والصيام وحتى ارتداء الحجاب، وهذا مؤشر استمرارية الأديان السماوية وفق منطق التكامل وليس التناقض.

وحضر السفير الألماني في مصر حفل الافتتاح، كما شهد حضور أحد مشايخ الأزهر محمد الدرديري الذي قال “إن الإسلام يدعو المسلمين لاحترام جميع الأديان”. وهي الجملة التي استهل بها مداخلته في معرض كلمات الافتتاح.

وأكد الشيخ محمد الدرديري “أن دين الإسلام يدعو إلى التسامح والرحمة والعطف لجميع الأديان وجميع الكائنات على وجه الأرض، ولا فرق بين هذا وذاك، فكلنا ندعو ونقول إله واحد وهو الله، فدين الإسلام يدعو إلى التسامح”. وأضاف أن مصر ستظل أرض السلام حتى نهاية العالم.

معرض الأديان الثلاثة يؤكد أصالة التسامح في التراث المصري وعدم تأثره بأي أزمة عابرة

وقال القس صليب جمال الذي حضر الافتتاح نيابة عن البابا تواضرس “أنا أرى أن هذا المتحف جديد من نوعه، وهو يمثل طبعا التسامح الديني على أرض الوطن العزيز مصرنا الغالية وهنا حتى في مصر القديمة لأننا نعيش فيها، في تجمع الأديان الثلاثة، يعني أول جامع يعتبر جامع عمرو بن العاص، وأول كنيسة موجودة كنيسة المعلقة في مصر القديمة، وفي مزار رحلة ‘العيلة’ المقدسة مزار أبي سرجة، إلى جانب ذلك في المعبد اليهودي بن عزرا. وكل هذا موجود في تجمع الديانات الثلاث في أرض مصر طبعا”.

وقد أكد هذا التصريح أن المواطنين المصريين من أتباع الديانات الثلاث وغيرها عن وعي تام بحضور أديانهم عبر كامل تاريخ مصر، منذ اليهودية ووصولا إلى الفتوحات الإسلامية. فكل مواطن من معتنقي الأديان الثلاثة له الحق التاريخي والمعنوي في مواطنته المصرية مثله مثل البقية. وأضاف القس جمال أن “المعرض جديد من نوعه لأن فكرته الأصلية تقوم حول التسامح الديني الموجود والتكاتف ما بين الأديان موجود في أرض مصر”.

13