معرض مسقط للكتاب يسجل قفزات نوعية

باتت معارض الكتب العربية النافذة شبه الوحيدة للناشرين والكتاب على حد السواء، لما تقدمه من لقاءات بين الكتاب والناشرين وجمهور الكتب وما توفره من تنوع في الجنسيات وفي ما تقدمه من مواد ثقافية وأدبية وعلمية، وما تقدمه كذلك من أنشطة تشمل مختلف الفئات. لذا بات الاهتمام بمعارض الكتب من أولويات الدول، هذا دون إغفال ضرورة التفكير في إيجاد حلول لتحديات نشر الكتب.
الأربعاء 2017/03/08
رغم النجاح اللافت مازال هناك الكثير من التحديات

لا يمكن الحديث عن معرض محدد للكتاب دون الحديث عن المرحلة الانتقالية لصناعة النشر والتوزيع بشكل عام، خاصة بعد زيارة لمعرض مفاجئ في تسجيل قفزات نوعية من حيث الحجم والنوع والتنظيم وإقبال الجمهور.

تختلط وتتشابك الانطباعات عن معرض مسقط الدولي للكتاب مع الانطباعات العامة عن السلطنة وشعبها، اللذين يفاجآنك بملامح وتفاصيل صغيرة كلما زرت هذا البلاد.

دورة المفاجآت

دورة هذا العام من المعرض سجلت نقلات نوعية كثيرة بعد انتقال موقع فعالياتها إلى مكان جديد هو مركز عمان للمعارض، الذي يتمتع بمزايا كثيرة وتفوق مساحته مساحة الموقع السابق بكثير.

نشاط البيع عن طريق الإنترنت في العالم العربي لم يتمكن حتى الآن من تعويض انحسار توزيع الكتاب بسبب صعوبات لوجستية

المفاجأة الكبرى هي حجم المشاركة الواسعة، التي نافست أكبر معارض الكتب العربية، خاصة في ظل المخاض العميق والتحديات التي تواجهها صناعة الكتاب وتوزيعه وتزايد حضور الكتاب الإلكتروني. فقد تمكن التنظيم النوعي، الذي بدا واضحا في كل تفاصيل المعرض من تأمين مشاركة أكثر من 750 دار نشر، إضافة إلى عدد من الدور التي حضرت عبر توكيلات مع دور نشر أخرى.

وقدم المعرض من خلال هذه المشاركة الكبيرة للناشرين أكثر من 450 ألف عنوان، واستقطب جمهورا واسعا على مدى أيام المعرض، التي صاحبتها العشرات من الفعاليات الثقافية التي أقيمت على هامش المعرض، الذي تخلله تقديم عدد من المعارض الفنية بينها معرض الفنانة العمانية عالية الفارسي التي قدمت عددا من الأعمال الجديدة والمتميزة.

وكانت من بين النشاطات المتميزة محاضرة للأكاديمية السعودية ميساء الخواجا التي تحدثت عن الحاجات المتغيرة والسريعة لصناعة الثقافة وضرورة أن تتأقلم مع التقلبات السريعة لطبيعة العصر وطبعة المفاتيح الأساسية التي يمكن أن تمكنها من ذلك.

كما كان جمهور المعرض على مواعيد متنوعة مع الكتاب العمانيين والناشرين والكتاب المشاركين من بلدان أخرى. حضور الجمهور المكثف حدا بالروائية الإماراتية ريم الكمالي أن تقر بأنها لم تكن تتوقع ولو جزءا بسيطا من هذه النقلات النوعية للمعرض. ووجدت السر في طبيعة الشخصية والمجتمع العماني وانسجامه وحفاوته الكبيرة.

الشاعر الفلسطيني المقيم في مسقط إسلام سمحان أشار إلى أن مفاجآت هذه الدورة تبدأ بالموقع الجديد المدهش وقدرته الاستيعابية، ولا تنتهي بالفعاليات والندوات والأمسيات التي تناولت المشهد الثقافي المحلي والعربي. وأكد أن النجاح والتفرد يحسبان للجهة المنظمة متمثلة بوزارة الإعلام.

مفاجآت عمان لم تقتصر على النقلات النوعية التي قدمها المعرض والحضور الكثيف لخليط واسع من الأسر العمانية وإقبالها الكبير على اقتناء الكتب، حيث بدا المعرض وكأنه فرصة نادرة لإشباع حاجات أساسية.

ولا يمكننا أن نغفل الاستقبال الجيد لضيوف المعرض الذين احتفى بهم أحسن ما يكون من قبل المنظمين الذين وفروا من بينهم من يستقبل الضيوف ويكون على دراية بكتاباتهم، لخلق جو انسجام دافئ بين جميع المشاركين في فعاليات المعرض. ورغم ما أسلفنا ذكره من نجاحات فإن معرض مسقط وجميع معارض الكتاب لم تعد تستطيع إخفاء التحديات التي تواجه صناعة النشر والتوزيع، بعد أن أصبحت المعارض النافذة شبه الوحيدة لتوزيع الكتاب.

تحديات النشر

ومن جهة أخرى، فإن شخصية الناشرين بدت واضحة في ما عرضوه في أجنحتهم وكشفت مدى قدرتهم على مواجهة التحديات. فقد استجاب معظمهم إلى التحديات بالهروب إلى الكتب التجارية والدينية التي سبق نشرها العشرات من المرات. وكشف ذلك ضعف قدرتهم على التأقلم مع تراجع القدرة على التوزيع في ظل تحديات انتشار وتداول الكتب، خاصة من انتشار الكتب الإلكترونية.

لذا بدا واضحا أن معظم الناشرين يصارعون من أجل البقاء والتمسك بنافذة المعارض فقط ولم يتمكنوا من الاستجابة لحاجات القراء المتغيرة بإيقاع سريع. وفي الوقت نفسه فوجئنا بحضور بعض الناشرين الذين تميزت أجنحتهم بقدرة عالية على الاستجابة لتقلبات حاجات القراء الجديدة، من خلال التخصص الرفيع والهوية المتماسكة للعناوين التي عرضوها، مثل دار مسعى ومقرها البحرين ودار الوراق ومقرها بيروت ولندن.

وقد أقر الكثير من الناشرين أن المعارض أصبحت نافذة التوزيع الوحيدة، وانغلاق جميع المنافذ الأخرى، مثل التسويق في المكتبات ومنافذ التوزيع، لأنها غير مجدية اقتصاديا.

وتحدثوا عن أن نشاط البيع عن طريق الإنترنت في العالم العربي لم يتمكن حتى الآن من تعويض انحسار توزيع الكتاب بسبب صعوبات لوجستية، في حين تشير البيانات العالمية إلى ازدهار كبير في الدول الأخرى من خلال مواقع مثل أمازون وغيرها. كما أن الناشرين العرب لم ينخرطوا بعد في توزيع الكتاب الإلكتروني، بسبب القرصنة المتفشية، حيث لا يشعر القارئ العربي بأن إتاحة الكتاب الإلكتروني لقراء آخرين هي جريمة سرقة لحقوق الناشر والمؤلف.

ورغم المشاركة الواسعة والنجاح الكبير للمعرض، اللذين يمكن ملاحظتهما من خلال الجمهور الغفير الذي تسابق لاقتناء أطنان الكتب، إلا أنه سجل غياب الكثير من دور النشر العريقة. ومن جهة أخرى أكد ناشرون وكتاب تشكيكهم بنشاط صناعة الكتاب كسلعة ونموذج اقتصادي، يجب أن يعتمد على حسابات الربح والخسارة. وأصبح الكثيرون ينظرون إلى الناشرين كنشطاء من أجل مشروع ثقافي وليس كعمل تجاري.

فمن جانبه يؤكد الشاعر محمد النبهان صاحب دار مسعى أنه لا ينظر إلى صناعة الكتاب كمشروع خيري، وأنه مشروع تجاري أيضا، ويجب أن يستند إلى الجدوى الاقتصادية وأسس راسخة للحقوق والواجبات الواضحة للعاملين في هذه الصناعة.

14