معرض "نظرات على بيروت" يوثق تحولات مدينة بقيت وفية لهويتها

لا تستند كتابة التاريخ على الوثائق والمستندات فقط، بل تعتمد كذلك على اللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية التي يتيح لنا الغوص فيها لاكتشاف أسرار حقب تاريخية معينة.
الاثنين 2016/02/01
خلود الجمال إلى النوم

تمثل الأعمال الفنية التي ضمها معرض نظرات على بيروت قراءة فنية لتاريخ بيروت على مدار 160 عاما (ما بين عامي 1800 و1960) حيث عرض أكثر من 200 عمل فني. توثق هذه الأعمال التطور التاريخي للمدينة وتكشف دور فن الرسم والتصوير في تخليد التحولات التاريخية الهامة التي مرت بها بيروت.

يرصد معرض “نظرات على بيروت” التحولات التي عاشتها بيروت، ويقرأ تحولها من حاضرة عثمانية صغيرة، إلى عاصمة أساسية ومميزة في المنطقة. يعرض التحولات العمرانية والاجتماعية، والحوادث السياسية التي عصفت ببيروت خلال كل هذه الحقبة الطويلة، من خلال الإضاءة على مجموعة من المشاهد البانوارمية، والمشاهد الخاصة بالمرفأ وداخل المدينة، وساحلها، وضواحيها ومرتفعاتها.

ويضم معرض 160 عاما من الرسوم الذي يقيمه متحف سرسق البيروتي، تحت إشراف المنسقة سيلفيا عجيمان أكثر من 200 عمل، يعود بعضها إلى مجموعات خاصة لم تعرض من قبل.

عرف المعرض نجاحا كبيرا دفع بإدارته إلى تمديده حتى الثامن من شهر فبراير القادم. الأعمال المعروضة تتميز بالتنوع الكبير فبعضها من إنتاج رسامين محترفين ومعروفين أجانب ولبنانيين، وبعضها يعود إلى مستشرقين.

التحولات العمرانية تتجلى في أعمال “دانيال إسرائيل” التي صور فيها أحد الشوارع البيروتية في عام 1890، وكان الشارع يتصف بالضيق ويفضي في آخره إلى منزل، أما “أوسمون روميو” فقد رصد الأسواق في أعمال تعود إلى عامي 1860 و1861 ، وقد كانت غير مسقوفة ومحاطة بمبان من طابق واحد أو طابقين.

يُضاف إلى ذلك، أن بعض جوانب المعرض تذكر بحوادث سياسية واجتماعية محددة، كدخول الجيش الفرنسي إلى بيروت عام 1860 (جان أدولف بوكيه)، أو مظاهرة نسائية في فرن الشباك عام 1950.

استثنائية بيروت وخصوصيتها تتجليان في التنوع الكبير للثقافات التي رصدت أحوالها، وتنوع المصادر المعرفية والذوقية لأصحاب الأعمال التي يضمها المعرض.

يضيء المعرض على أعمال مجموعة من المستشرقين من أمثال ألبرتو باسيني وكارل نومان وبروسبير ماريلهات، وهناك لوحة تصور ميدان المدافع (ساحة الشهداء حاليا) من توقيع فنان البوب آرت الشهير، ديفيد هوكني، وقد رسمها خلال رحلة قام بها إلى بيروت قبل اندلاع الحرب الأهلية.

ويضم المعرض كذلك لوحات لرسامين فرنسيين وأوروبيين أقاموا فترات في بيروت إبان مرحلة الانتداب الفرنسي من قبيل جورج سير، إضافة إلى أعمال لرسامين لبنانيين باتوا يعتبرون آباء الفن التشكيلي اللبناني ومرجعياته من قبيل سعدي سينوي، وجورج قرم، ومصطفى فروخ وعمر الأنسي.

خصوصية بيروت تتجلى في كونها تحتضن سلسلة لا متناهية من التحولات، دون أن تبقى وفية سوى لهويتها

جيل الحداثة كان الأقل تمثيلا في المعرض حيث يعثر الزائر على لوحات قليلة من مائيات أمين الباشا، إضافة إلى لوحة حسين ماضي التي تمثل الكولدج هول في الجامعة الأميركية.

يلاحظ غياب أعمال الفنان محمد قدورة على الرغم من أنه كان من أكثر الرسامين الذين رصدوا المشاهد البيروتية في أعماله على امتداد حياته الفنية.

ويحرص المعرض على أن يتبع في إيقاعه إيقاع توسع بيروت ونموها خلال المراحل التي يرصدها، فيكشف في البداية عن العمارات التي شيدت في أوائل المرحلة التي يرصدها أي بعد عام 1850، وهي المباني التي تضم القنصليات، والثكنة والمدارس التابعة للبعثات الأجنبية.

وينفتح بعد ذلك على التحولات التي طالت ساحة البرج التي صارت ساحة رئيسية في المدينة عام 1884، حيث تبرز ظاهرة السطوح المغطاة بالقرميد الأحمر. بعد ذلك ينقلنا المعرض إلى فظاظة مشاهد الأبنية الحديثة المشيدة بالباطون المسلح، والتي ظهرت عام 1950 على أنقاض المباني ذات السطوح القرميدية، التي كانت تمثل خصوصية المدينة وحميميتها. بين كل هذه المراحل نعثر على مدينة قابلة لاحتضان أزمنة عديدة مع المحافظة على هويتها، فكانت تكبر وتتوسع بعدد النظرات التي تقرأها وترسمها، دون أن تخضع لأي واحدة من تلك النظرات أو تتقولب على أساسها.

بيروت كانت مدينة تنمو بالنظرات واللوحات والصور والقراءات والتحولات التي كانت قادرة على منحها خصوصيتها. بيروت في عيون المستشرقين لم تتفرنس أو تتغرب، بل، وعلى العكس من ذلك، يسجل لها أنها نجحت في أن تجر العالم إليها، وتجر ثقافات العواصم الأوروبية التي ينتمي إليها المستشرقون الذين رسموها ورصدوها إلى الحالة البيروتية.

الكآبة التي تظهر في لوحات الألماني نومان ليست كآبة البرد الألماني والبرودة الجرمانية الشهيرة، بل هي ذلك الحزن الشرقي البيروتي الشفاف والذي لا يسمح للكآبة أن تصبح موقفا يسم الوجود، بل مجرد حالة جمالية، يمكن من خلالها النظر إلى الذات وإلى المدينة، واستشفاف بعد خاص من أبعاد الجمال الكامن والخفي الذي لا يمنح نفسه للعابرين.

كتب الرحالة والمصور ماكسيم دوكان عن المدينة، قائلا “هنا يعتكف التأمليون والخائبون والمتألمون من الحياة. يبدو لي أن المرء يستطيع العيش سعيدا هنا مكتفيا بالتفرج على الجبال والبحر”. قد يكون هذا الكلام صحيحا ولكن الأكيد أن عكسه صحيح كذلك. هنا تحديدا تكمن خصوصية بيروت وتحولاتها التي يرصدها معرض نظرات على بيروت والتي تتجلى في كون بيـروت مدينة تحتضن سلسلة لا متناهية من التحولات، دون أن تبقى وفية سوى لنفسها وهويتها.

12