معرض يجعل من المعلومات المتداولة يوميا أعمالا فنيّة

الأعمال الموجودة في صالة مؤسسة الكهرباء في العاصمة الفرنسيّة  تجعل المشاهد يعيد التفكير بالعلاقة بين الفضاء العام والتجربة الشخصيّة.
الأحد 2018/07/29
أمواج اصطناعيّة

باريس – يشير مصطلح المعطيات الكبيرة أو الـ”BIG DATA”، إلى البيانات الهائلة الموجودة على شبكة الإنترنيت وفي مراكز الأبحاث، والتي تُسجل وتُؤرشف وتُصنف يوميا، ويزداد حجمها بسرعة خياليّة، كونها تتكون من كل ما يُضاف إلى عالم الشاشات، هذه البيانات تشكل جوهر العالم الرقميّ ومُحرك الحروب السياسية والاقتصاديّة، كونها تُستخدم في سياسات التسويق والهيمنة الأيديولوجيّة وتصنيف الجمهور وخلق العادات الاجتماعيّة، والأهم، أنه لا يمكن التنبؤ باحتمالات توظيف هذه المعطيات إلى جانب كونها تنتهك مفاهيم الخصوصيّة لأنها تعتمد على تقنيات المراقبة وجمع المعلومات سواء كان ذلك عبر كاميرا في الشارع أو عبر صورة ننشرها على وسائل التواصل الاجتماعيّ.

تشهد صالة مؤسسة الكهرباء في العاصمة الفرنسيّة باريس معرضا باسم “1.2.3.data”، وفيه تتداخل “المعطيات الرقميّة” مع الممارسة الفنيّة، إذ تستقبل الصالة أكثر من أربعين فنانا ومصمصا ومبرمجا يجمعهم استخدامهم للبيانات كأساس للممارسة الفنيّة، حيث يعمل كل واحد منهم على إعادة توليفها ضمن تكوينات مادية تتيح اكتشاف مساحات بصرية جديدة واحتمالات وليدة الاختبارات الفنيّة، لتكون الأعمال المعروضة ذات مرجعيّة أساسها “شيفرة” عن العالم من حولنا لا العالم نفسه.

يحاول المعرض أن يجعل من تمثيل “المعطيات” بصريا موضوعة فنيّة، إذ نشاهد مثلا عمل تجهيز ضخم يزين جدران الصالة للفنان الأميركي ستيفان سيغمايستر بعنوان “استعراض السعادة”، والذي يحوّل عبره المعطيات المرتبطة بالسعادة سواء في العمل أو الحياة الشخصيّة إلى جدارية ضخمة تحوي مختلف أشكال المعلومات والممارسات التي تعتبر “مقياسا للسعادة”، ذات الشيء نراه في عمل تجهيز لأببيغال رينولدز بعنوان “جبل الخوف- لندن الشرقيّة”، وهو خارطة ثلاثية الأبعاد تمثل معدلات الجرائم العنيفة هناك بين عامي 2002 و2003، فهذا العمل يتيح للمشاهد أن يتلمس حرفيا الكم الهائل من الجرائم، بوصفها ليست مجرد أرقام عابرة، بل حقائق لا يمكن تجاهلها.

☚ غابة لاسكليّة
غابة لاسكليّة

أحد أبرز الأعمال في المعرض هو تجهيز باسم “مياه حيّة رقميا” لديفيد بوين، والذي يقوم فيه باستخدام قطع مع المعدن لصناعة أسطح متحركة، وكأنها مساحات من المياه، موصولة بكمبيوتر يزودها بمعطيات ومعلومات عن حركة الأمواج الطبيعية، بحيث تتموج مثلها لتبدو تمثيلا بصريا للبيانات المتعلقة بسرعة الرياح ومقاومة سطح المياه التي تشكل الموجة.

تدفعنا الأعمال الموجودة أيضا إلى إعادة التفكير بالعلاقة بين الفضاء العام والتجربة الشخصيّة، ففي عمل باسم “تعدد” لموريس يتفنر، نشاهد أبرز ملامح باريس، لكن عبر المئات من الصور التي التقطها العابرون وقاطنو المدينة، بحيث نراها بأعين من يختبرون جغرافيتها، فهذه الصور تعكس خصائص المدينة من وجهة نظر من لهم معها تجربة حسيّة، وليس من وجهة نظر المعماريين والمصممين الذين يراعون الجمالي والوظيفي، متجاهلين الحميمي والفردي الذي يكتشفه كل شخص في المدينة، لنرى خارطة لباريس بأعين عشاقها وانطباعاتهم البصريّة عنها.

يحاول المعرض أن يضيء على جانب هام مرتبط بتمثيل المعلومات والصيغ الفنية التي تُنتج عبرها، بحيث يتجاوز صيغة الأعمدة والأرقام التقليدية، إذ توظف بعض الأعمال في المعرض الطعام مثلا، كوسيلة لنقل المعلومات، كأن نشاهد بيتزا مكونة من المعطيات الديموغرافية لسكان هيلنسكي، فالأعمال تتحرك ضمن ثلاث فئات، وهي شرح المعلومات وعرضها واستكشافها، كون تقنيات العرض المختلفة تتيح استكشاف علاقات جديدة بين المتغيرات، قد لا تتيحها الصيغة التقليديّة، كعمل بعنوان “الغابة الخفيّة” الذي يقترح أن تزرع شجرة في كل نقطة تحوي مخدّم wifi في مدينة ميلان، وحين تم تصميم الخارطة نكتشف أن المدينة بأكملها يمكن أن تتحول إلى غابة خضراء.

13