معرض يطلب من اللبنانيين تعليق "حالة عدم التصديق"

أعمال الفنان التشكيلي اللبناني غازي باكر تلتهم نظر الزائر وتفرض عليه أن ينظر إلى الأعمال بنظرة "غشتالتية" المنحى.
الاثنين 2019/05/06
تماهي الدراما مع الفكاهة النزقة

في زمن لبناني تدور فيه عجلة الحياة متسارعة وتطيح في طريقها بأي حالة، تكسر وتطحن في مسارها كل ما وقع تحت دورتها الجامحة، استوقف الفنان التشكيلي اللبناني غازي باكر جمهوره في صالة “مارك هاشم” البيروتية، من خلال أعمال واظب على جعلها تعليقا على المظاهر والممارسات الحياتية المعاصرة، طالبا منهم أن يستسلموا إلى حالة استغراق في لوحاته، حالة مُتعارف عليها في عالم السينما والمسرح بـ”تعليق عدم التصديق”.

بيروت - تتمحور الفكرة الرئيسية لأعمال الفنان التشكيلي اللبناني غازي باكر التي تعرضها حاليا صالة “مارك هاشم” البيروتية من ناحية حول قابليتنا للسماح لملكة التخيل أن تسيطر علينا في قراءتنا لما نشاهده من أعمال فنية متنوعة، ومن ناحية ثانية تستعرض قدرتنا على القبول باللامعقول وتصديقه واعتباره ممكنا أو حقيقيا لفترة وجيزة، كما يحدث لنا عندما نشاهد أفلاما روائية بأبطال خياليين وحوادث خيالية أو خارقة.

عشرون لوحة مشغولة بمادة الأكريليك بألوان متفجرة اعتدنا على رؤيتها في لوحات باكر وتحيل إلى فن البوب آرت الذي ينهل من عصره كل من استطاع أن ينهل من مظاهر وأفكار، ومن ثم “تصنيعها” بشكل نافر ضاج بزخم حياة متخمة بالتفاصيل وهاجسة بأيقونات العصر من أشياء وحوادث وشخصيات غربية يعتبرها العصر لامعة حد النجومية.

“تلتهم” أعمال غازي باكر نظر الزائر، إحساسه وتفكيره، وتفرض عليه أن ينظر إلى الأعمال بنظرة “غشتالتية” المنحى، ليلحظ عبرها سيطرة وتوترا لخطوط بيضاء حادة تلتوي وتتكسر وتتصل ببعضها كماكنة صناعية مستقبلية لا يمكّن كم ضوضائها من إلجام ضجيجها.

وعلى الرغم من كثرة الألوان وحدّتها تلفح أعمال غازي باكر برودة ما تمتّ إلى عصر تفوح منه رائحة البلاستيك والصناعات المتطورة.

وفي معارضه السابقة ونذكر منها المعنونة بـ”تردَي” و”ذنوب” و”مزايا وألوان” بدا الفنان مأخوذا إلى أقصى حد بهواجس العصر، ولا يشكل معرضه الجديد أي استثناء، غير أن معرضه هذا، وأكثر من معارضه السابقة يتطلب من المُشاهد أن يكون مُلما وبشكل غير سطحي بالأفلام الأجنبية الرائدة التي انطلق منها، نذكر من هذه الأفلام “وال ستريت”، و”العودة إلى المستقبل”، و”جووز”، و”عندما التقت سالي بهاري”.

في اختيار باكر لتلك الأفلام الأجنبية تأكيد من ناحية ثانية على أن الفنان في أعماله يشبه ذاته، صحيح بأنه لبناني ومن جيل الحرب اللبنانية إلاّ أنه عاش العديد من السنوات خارج لبنان وتشرّب من الفنون السينمائية لتلك الدول لدرجة أن يجعلها موطن وحي لأعماله المعروضة، كما انطلق من “أوهام” هذه الأفلام، والأهم من ذلك من”مُسلماتها”، في ما يتعلق بأمور حميمية كالحب والموت ومعنى الحميمية بشكل عام.

على الرغم من كثرة الألوان وحدّتها تلفح أعمال غازي باكر برودة ما تمتّ إلى عصر تفوح منه رائحة البلاستيك والصناعات المتطورة

أما “إنسانه” الذي هو موضوع اللوحات وصلة الوصل بين ما يحدث في اللوحات وجمهورها، هو شخصية تشبه إلى حد كبير الشخصية الكرتونية الأميركية الشهيرة “سيمسون”، شخصية أميركية معاصرة بامتياز تُغلف “فكاهتها” الكثير من الآفات والمُنفرات التي اعتاد المرء على عاديتها وطبيعيتها، وهكذا تصبح هذه الشخصية الكرتونية بالنسبة للناظر إلى اللوحات تحت سلطة “تعليق عدم التصديق” شخصية واقعية حتى في شكلها الخارجي.

وربما لأجل ذلك، يجد الناظر إلى لوحات باكر السابقة والحاضرة على السواء أنها باستطاعتها أن تكون مشغولة “بوعي” ونظرة فنان أميركي الهوى والهوية، هو ذاته وليد العولمة وناشر آفاتها وخداعها البريء واللطيف في الظاهر والانتهازي والمتهتك والكاذب في الباطن.

لا، بل، اختيار باكر لهذه الشخصية يؤكد من جهة أخرى أنه يقف إلى جانب “العالم الآخر” في رؤيته إلى العالم “الأول” بالنسبة لنا كعرب، وفي رؤية سائر الشعوب غير العربية، إنه نوع من فرض لسلطة الآخر عبر فرض رؤيته وتعليقه ونقده للمجتمع الحاضر الذي لعب الدور الرئيسي ولا يزال في تشويه عالمنا وضميرنا العربي، إنها شخصية ذات عيون جاحظة وجاحدة وجشعة تريد التهام كل ما يقع تحت نضرها، شخصية تتماهى مع شكلها الخارجي قبل أن تشبه أي فرد موجود على هذا الكوكب المُحتضر.

والطريقة التي تبناها باكر لعرض أعماله تسهل على المُشاهد استيعاب أفكاره، إذ قسّم لوحاته إلى جزأين متجانسين أظهر من خلالهما عنصرين، العنصر الأول هو المُشاهد المرسوم في اللوحة كمُؤوّل ومُفسّر للفيلم الذي يشير إليه الفنان في لوحاته، أما العنصر الثاني فهو الأفلام التي يدل إليها في كل لوحة من لوحاته. وإذا، فهناك النص، أي الفيلم، والقارئ، أي الشخصيات المرسومة التي تمثل في حقيقتها شخصا واحدا، كعنصر مُؤوّل ومُفسّر.

وعلى مستوى أعمق، يضعنا الفنان في مواجهة مباشرة مع قدرتنا على تصديق رياء السياسيين في شعاراتهم ووعودهم الكاذبة ومما يترتب عن ذلك من حوادث كارثية وأزمات لا مصير لها إلاّ التفاقم، فما يصح أمام الأفلام لأجل المتعة، لا يصح إطلاقا أمام أكاذيب من هم في السلطة أو من هم متمكنون بطريقة أو بأخرى بمصيرنا، وهنا قد يجد أي زائر لبناني لهذا المعرض مادة دسمة ومُرّة ليتماهى معها.

في المعرض لوحة واحدة قد تكون نواة لمعرض جديد، وتحمل عنوان “شعاع الشمس الخالد في العقول المُستنيرة”، حيث يظهر ثلاث شخصيات إحداها مشغولة بلون داكن خلافا لمعظم ما نجده في لوحات الفنان. فماذا لو كانت لوحات غازي باكر مشغولة بطغيان اللون الأسود وألوان معتمة أخرى؟ إلى أي حد ستتماهى الدرامية مع فكاهة نزقة قد تريد أن تتخلى عن فورانها وضجيجها؟ وماذا لو كانت مصادر وحي الفنان هي الروايات العربية الفذة التي تفوق في أهميتها ما قدمته الحضارات الأخرى؟ وماذا لو كانت الأفلام العربية الجارحة والفنية، وهي كثيرة، منبرا يطل منه وعبره الفنان على عالمه الخاص المفتوح على العالم؟

17