معركة أنابيب الغاز العالمية تشتعل في البحر المتوسط

يقف التحالف الاقتصادي الوثيق الذي يجمع إيطاليا وروسيا لعقود طويلة على مفترق طرق، بحسب الخبراء، بعد عثور عملاق الطاقة شركة إيني في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط، على كميات كبيرة من الغاز، ستشكل منافسا للغاز الروسي لعقود.
الخميس 2016/09/22
آفاق رحبة للاستثمارات

روما - تسعى إيطاليا بشكل مكثف إلى مواجهة الانعكاسات السياسية والاقتصادية المتوقعة لمشروع “نورد ستريم 2”، الذي سيقوم بضخ كميات كبيرة من الغاز الروسي إلى ألمانيا.

وتأتي التحركات الإيطالية على ما يبدو لتؤكد مدى قلقها من المشروع الذي سيعزز من قبضة حليفتها على الاتحاد الأوروبي سياسيا واقتصاديا، وفق ما أشارت إليه دراسة حديثة نشرها معهد “بروكنغز” الأميركي للدراسات السياسية.

ويقول خبراء، أعدوا الدراسة، إن صراع الغاز تتجاوز تأثيراته حدود القارة الأوروبية، ليؤثر على سياسات كل من روسيا وألمانيا والاتحاد الأوروبي وإيطاليا تجاه عدد من الملفات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث توجد مصادر بديلة للغاز الروسي.

إيني قدرت كميات الغاز في حقل "الشروق" بـ850 مليار متر مكعب، ما يجعله أكبر حقل في المنطقة

وبدأ الصراع بين ألمانيا وإيطاليا يأخذ منحى تصاعديا بعد قرار بريطانيا الانفصال عن الاتحاد الأوروبي وتزايد تركز السيطرة السياسية والاقتصادية على الاتحاد في برلين، الأمر الذي ترى الدراسة أنه سيمنح موسكو أريحية أكبر في ممارسة سياساتها.

ومن الواضح أن الأمر لن يقف عند انشغال أوروبا بصراعاتها الداخلية عن تقديم مواقف موحدة وقوية، بل قد يجر الصراع الدائر بين البلدين الأوروبيين نحو المنافسة على التقرب إلى موسكو.

وتعد إيطاليا أكبر المتضررين من مشروع روسيا وألمانيا بعد أن شكلت أراضيها لسنوات محطة لتوزيع الغاز والطاقة في جنوب أوروبا وحوض المتوسط باعتماد كبير على الغاز الروسي حيث ستفقد ذلك الموقع الاقتصادي والاستراتيجي لصالح برلين.

وأثار استخدام روسيا للغاز الطبيعي، الذي تمتلك ربع احتياطيات العالم منه، كورقة سياسية في أوروبا، قلقا لدى عدد من الدول الأوروبية إلى جانب إيطاليا، حيث تعتمد أكثريتها اعتمادا كاملا أو شبه كامل على موارد الطاقة الروسية.

وقامت موسكو بقطع إمدادات الغاز عن أوكرانيا عدة مرات، في إطار الخلاف بين الجانبين، وتضررت بذلك إمدادات الغاز الروسي لأوروبا حيث تمر 80 بالمئة من صادرات الغاز الروسي لأوروبا عبر أوكرانيا.

وللتخفيف من انعكاسات الأزمة عليها، أعلنت روسيا وألمانيا، في الرابع من سبتمبر العام الماضي، عن اتفاق لمضاعفة صادرات الغاز المباشرة من روسيا إلى ألمانيا عبر أنابيب تمر أسفل بحر البلطيق، تحمل اسم “نورد ستريم 2”.

ودفع هذا الأمر، الذي شكل حافزا مهما لشركات الطاقة الإيطالية، وخصوصا شركة إيني العملاقة، إلى البحث عن مصادر جديدة للغاز، حيث نشطت بشكل كبير في البحر المتوسط والسواحل الشرقية ووسط أفريقيا، إضافة إلى جنوب شرق آسيا وباكستان والمكسيك، بل كانت من أوائل الشركات الغربية توجها إلى إيران بعد الاتفاق النووي.

وقد توج بحثها باكتشاف عدة الحقول في البحر المتوسط تحديدا، حيث أعلنت في أواخر أغسطس العام الماضي، عن اكتشافها حقل “الشروق” في المياه الإقليمية لمصر.

وقدرت الشركة كميات الغاز في الحقل بـ850 مليار متر مكعب (30 ترليون قدم مكعب)، ما يجعله أكبر حقل للغاز في الشرق الأوسط وحوض المتوسط، على أن يبدأ الإنتاج منه في الربع الأخير من عام 2017.

مشروع "نورد ستريم 2" الروسي الذي تشرف عليه غازبروم سيضاعف الصادرات المباشرة إلى ألمانيا

وبحسب دراسة حديثة لمؤسسة جيمس تاون للبحوث، يعد الاكتشاف الإيطالي تحديا لموسكو وعملاق الطاقة الروسي غازبروم حيث سيشكل حقل الشروق بديلا للغاز الروسي بالنسبة إلى مصر، ويتوقع أن يغطي احتياجاتها لعقدين قادمين، كما سيشكل مصدرا إضافيا للغاز بالنسبة إلى إيطاليا، وسيخفف من اعتمادها على الغاز الروسي القادم من الغريم الألماني.

وتثبت روما بذلك، لكل من روسيا وألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي، أنه من الممكن إيجاد مصادر للطاقة، تخفف من الاعتماد على روسيا، الأمر الذي قد تستخدمه، بحسب مؤسسة جمس تاون، كورقة للضغط على موسكو وبرلين، ولحشد دول وسط أوروبا إلى جانبها في صراعها مع برلين على زعامة سوق الطاقة في أوروبا.

وفي المقابل، سيعجل اكتشاف إيني من مساعي روسيا لإحكام السيطرة على أسواق شرق ووسط أوروبا وحوض المتوسط، قبل أن يبدأ الإيطاليون إنتاج الغاز من الحقل المصري، وذلك عبر خط أنابيب السيل التركي المرتقب.

ففي أواخر الشهر الماضي، وبعد أن أنهى الجانبان التركي والروسي خلافا دام أشهرا، على خلفية سقوط طائرة حربية روسية بالقرب من الحدود التركية-السورية، وقع الجانبان اتفاقا يقضي بتسريع إجراءات إنشاء السيل التركي، الذي تعول عليه موسكو في حفظ حصتها في الأسواق الأوروبية.

وإلى جانب “الشروق” المصري، شكل توجه إيطاليا للاتفاق مع أذربيجان على استيراد الغاز منها عبر تركيا، عاملا إضافيا دفع موسكو نحو التعجيل في الاتفاق مع تركيا، إضافة إلى مساعي روما لتسوية تقاسم كميات الغاز الكبيرة الموجودة في شرق المتوسط بين تركيا وسوريا ولبنان وقبرص وإسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية.

وجاء الرد الروسي على المساعي الإيطالية بحرمان الشركات الإيطالية من امتيازات في مشاريع مهمة للطاقة، مثل السيل التركي و“نورد ستريم 2”، الأمر الذي ينذر بتصاعد الأزمة بين البلدين اللذين جمعتهما مصالح اقتصادية كبيرة في العقود الماضية جعلت من روما خامس أكبر شريك تجاري لموسكو.

10