معركة أوروبية أميركية للسيطرة على الفضاء الافتراضي

السبت 2015/04/18
قضية غوغل ستؤدي إلى زيادة حدة التوترات السياسية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تعتبر الأمر مسيسا

بروكسل - إعلان المفوضية الأوروبية، عن بدء “تحركات عملية ضد عملاق البحث الأميركي غوغل بتهمة استغلال موقعه المهيمن”، بما يخالف قوانين المنافسة ومنع الاحتكار المرعيّة في دول الاتحاد لم يمر بسلام، وبالرغم من محاولة المعنيين بالملف تجنب التصريح حول أبعاده السياسيّة، إلا أنّه محاولة من الأوروبيين، لضبط الهيمنة الأميركية على قطاع الإنترنت في ديارهم.

وجهت رئيسة هيئة مكافحة الاحتكار التابعة للاتحاد الأوروبي مارغريتي فيستاغر، الأربعاء الماضي، اتهاما رسميا لشركة غوغل باستغلال هيمنتها على عمليات البحث على الويب، وهي تهمة قد تؤول إلى الحد من مرابيح عملاق عالم التكنولوجيا الأميركية.

هي المرة الأولى التي يتم فيها توجيه تهم متعلقة بمكافحة الاحتكار ضد غوغل رغم سنين طويلة من المواجهة بين الشركة العالمية وصناع القرارات بالولايات المتحدة الأميركية.

ويبحث التحقيق في “انحياز” الشركة الأميركية لمنتجاتها، من خلال إعطائها فرص ظهور أكبر على حساب المنافسين. على سبيل المثال، إن أراد أحد المستخدمين البحث عن فيديو لأغنية ما، فإنّ النتائج التي يعرضها محرّك غوغل ستكون أوّلا فيديوهات منشورة عبر موقع يوتيوب التابع للشركة، مع استبعاد مواقع تحميل الفيديو الأخرى.

وإلى جانب التحقيق في منح غوغل فرص ظهور أكبر لخدماتها، يجري التحقيق أيضا في احتمال استبعادها المتعمّد لمنتجات المنافسين من نتائج البحث. كما يشمل التحقيق توقيع الشركة تفاهمات أو عقود مع معلنين تفرض عليهم حجب الشركات المنافسة لها عن منصّاتهم، أو تمنعهم من استخدام منصّات أخرى خارج إطار ما توفّره غوغل من خدمات، خصوصا عبر نظام “أندرويد”، ومتجر “غوغل بلاي”.

وتمثل برامج أندرويد التابعة لغوغل، التي تستخدمها العديد من الشركات البارزة في سوق الهاتف المحمول على غرار سامسونغ، أكبر نظام تشغيل مع حوالي 81 في المئة من حصص السوق الجملية. ويملك أبل 15 بالمئة من هذه الحصص، بينما تملك مايكروسوفت أقل من 3 في المئة.

باراك أوباما: لقد امتلكنا الإنترنت، شركاتنا هي من ابتكرته، وتوسعت فيه

وقالت غوغل إن الشراكات مع شركات الهواتف المحمولة التي تعتمد على نظام التشغيل “أندرويد” التابع لغوغل هي طوعية، وأن الشركة قدمت فوائد للمستهلكين والمنتجين على حد السواء.

وإن كان من غير الواضح ما إذا كان التحقيق الأوروبي في عمليات الهاتف المحمول التي تمارسها غوغل سوف يؤدي إلى توجيه اتهامات رسمية، يقول المحللون إن آثارها بعيدة المدى.

كما يمكن أيضا للتحقيق أن يمتد إلى خارج نطاق مواقع التسوق عبر الإنترنت نحو مجالات مثل البحث عن المطاعم والسفر.

فكيف سترد غوغل في هذه القضية، وهي الأكبر في هذا المجال منذ القضية ضد مايكروسوفت في بداية الألفية؟ وإلى أي مدى تؤثر هذه الاتهامات على أعمالها الخاصة أو تساعد منافسيها في البروز؟

تملك غوغل نحو 90 في المئة من سوق البحث في المنطقة، وتدعي الشركة أن ممارساتها تبقى عادلة، سواء في عمليات البحث على الويب أو في نظام تشغيل “أندرويد”.

لا تزال الشركة قادرة على تسوية المسألة. وفي حال فشلت في دحض الاتهامات الرسمية، قد تفرض السيدة فيستاغر غرامة يمكن أن تتجاوز 6 مليارات يورو، أي حوالي 10 في المئة من الإيرادات السنوية لغوغل، ولكن أكبر غرامة تفرض حتى الآن في هذه الحالة تبقى حكرا على شركة إنتل التي تكبدت غرامة بقيمة 1.1 مليار يورو في 2009 على خلفية اتهامها بالسيطرة على سوق قطع الكمبيوتر.

ودافعت شركة غوغل عن ممارساتها التجارية بقولها “إن كان من المرجح أن غوغل هي اليوم أكثر محركات البحث استخداما في العالم، فيمكن للمستخدمين الآن أن يجدوا معلومات ويحصلوا عليها من خلال عدة طرق مختلفة. إن الادعاءات بشأن الضرر على المستهلك والمنافسين هي بعيدة كل البعد عن الواقع”.

وأصرت فيستاغر على أنها تدافع عن وجهة نظر “المستهلك في الاختيار والابتكار” على الإنترنت. وأضافت “نحن لا ندافع هنا عن حقوق المتنافسين. نحن هنا لندافع عن مبدأ المنافسة ككل”.

وقد سلطت مبادرة السيدة فيستاغر الضوء مرة أخرى على مدى اتخاذ المنظمات الأوروبية لموقف أكثر عدوانية ضد شركات التكنولوجيا الأميركية الفائقة من موقف نظرائها في الولايات المتحدة الأميركية.

و في رد على قرار أصدرته حديثا المحكمة، وجدت شركة غوغل (في الاتحاد الأوروبي) نفسها مجبرة على إزالة بعض روابط البحث على الإنترنت، استجابة لـ“حق المستخدمين في النسيان”.

في الولايات المتحدة، قامت لجنة التجارة الفيدرالية بالتحقيق في شكاوى مكافحة الاحتكار ضد غوغل، ولكنها أغلقت التحقيق في 2013 دون التوصل إلى استنتاج رسمي يدين الشركة بممارسات خاطئة. وليس من المتوقع أن تغير المبادرة التي تم اتخاذها في بروكسل يوم الأربعاء، موقف واشنطن التي تصر على أن عمليات بحث غوغل لا تنتهك قوانين مكافحة الاحتكار.

مارغريتي فيستاغر: نحن لا ندافع عن المتنافسين، نحن ندافع عن مبدأ المنافسة ككل

ومن المرجح أن تؤدي هذه القضية الأوروبية إلى زيادة حدة التوترات السياسية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية. فقد حذر الرئيس الأميركي باراك أوباما، في فبراير، أوروبا من اتخاذ قرارات “تمليها المصالح التجارية” لمعاقبة شركات مثل غوغل وفيسبوك.

وقال في مقابلة مع موقع “ريكود” في فبراير الماضي، إنّ “هناك عرقلة لعمل شركات الإنترنت الأميركية في أوروبا”، وأضاف “لقد امتلكنا الإنترنت، شركاتنا هي من ابتكرته، وتوسّعت فيه، وجعلته أفضل، ولا يمكن لأحد منافستنا في هذا المجال”.

وصرّح دانيال أ. سيبولفيدا، نائب مساعد وزير الخارجية في وزارة الخارجية في الولايات المتحدة في مكتب الشؤون الاقتصادية والتجارية، للصحفيين في بروكسل “من المهم أن تستند عملية تحديد الأسواق التنافسية والحلول المناسبة لها على نتائج نزيهة وأن لا تكون مسيسة”.

وتبدو السيدة فيستاغر عازمة على درء الانتقادات القائلة بأن الاتحاد الأوروبي يجري حملة حمائية ومعادية للسياسة الأميركية، مُصرحة بأن القضية تتعلق فقط باعتبارات خاصة بمكافحة الاحتكار الأوروبية وإطاعة قوانين المنافسة.

فالعديد من الشركات التي تقدمت بشكاوى للمسؤولين الأوروبيين ضد غوغل هي أميركية، بما في ذلك عملاق مجال التكنولوجيا مايكروسوفت. وقد تم منح غوغل 10 أسابيع لتقديم رد رسمي على هذه الاتهامات. كما يمكن للشركة أيضا طلب جلسة استماع رسمية في إطار إجراء عادة ما يستغرق سنوات وكثيرا ما يسفر في نهاية المطاف عن مطالبة الشركة المعنية بالطعون في محكمة العدل لدى الاتحاد الأوروبي والتي تقع محكمتها الرئيسية في لكسمبرغ، وقد يستغرق هذا التحقيق سنوات.

من جانب آخر، تستعد غوغل لإطلاق حملة إعلاميّة ضخمة في أوروبا، وفي فرنسا تحديدا، لشرح موقفها، وتبييض صفحتها، حسب صحيفة “لو موند” الفرنسية. وتشير الصحيفة إلى أنّ هناك نيّة لتطبيق قانون “تفكيك غوغل” أي “فصل محرّك البحث عن الخدمات التجارية الأخرى التابعة للشركة” ضمن دول الاتحاد، ما قد يضطر الشركة إلى تغيير نموذجها الاقتصادي بالكامل، في حال ثبت قيامها “بتكتيكات غير عادلة تجاه منافسيها”. تلك التهمة نفسها التي برّأتها منها لجنة التجارة الاتحادية الأميركيّة العام الماضي.

18