معركة إدلب: أردوغان ومخاطر تكرار تجربة صدام حسين

سيصعب على أردوغان الاستمرار في اللعب على التناقضات والانغماس في النزاعات الإقليمية دون دفع أثمان وتقديم حسابات إن في الداخل أو مع اللاعبين الخارجيين.
السبت 2020/02/29
مغامرة واسعة في الشمال السوري

احتدم الوضع في معارك شمال غرب سوريا، وتكبّد الجيش التركي خسارة فادحة في 27 فبراير، أسفرت عن مقتل 34 جنديا تركيا على الأقل، تعتبر الأكبر من نوعها منذ مشاركته المباشرة في الأسابيع الأخيرة، إثر الهجوم الواسع بإشراف ومشاركة روسية ضد “جيب إدلب” وتطبيق اتفاق سوتشي (هدنة بوتين – أردوغان في سبتمبر 2018) وفق رؤية موسكو.

ونظراً للمهلة التي حددها الرئيس التركي بنهاية فبراير لتراجع قوات الجيش السوري، التي تحاصر نقاط مراقبة تركية في المنطقة، تجد أنقرة نفسها أمام خيارات محدودة لأن هذه الأزمة تهدد العلاقات الروسية التركية، في حال اندلاع صراع شامل، ولأن الدعم الأميركي الأطلسي غير مضمون.

من أجل تفادي الشروع في مغامرة واسعة شمال غرب سوريا، ربما تحاكي تجربة صدام حسين في الكويت، يفضل “السلطان الجديد” عقد صفقة مع “القيصر الجديد” تنقذ ماء الوجه وتسمح بتحقيق حد أدنى من مصالح تركيا الأمنية والإستراتيجية حسب تقديره.

ويتوقف الأمر على مدى خطط فلاديمير بوتين، الذي ربما يراهن على انشغال دونالد ترامب بمعركته الرئاسية من أجل حسم معركة إدلب دون مبالاة بخشية أوروبا من انعكاسات كارثة إنسانية ترتسم هناك، ومن استجداء أنجيلا ميركل قبول عقد اللقاء الرباعي (مع ماكرون وأردوغان) لتسهيل الخروج من المأزق في لعبة شطرنج معقدة يتقن سيد الكرملين تفاصيلها.

ويخشى أردوغان في هذه المعادلة نوعا من الفخ المنصوب له، في حال تحولت معركة إدلب إلى أزمة كبيرة تهدد مستقبل العلاقات بين روسيا وتركيا، وتجعل الرهان على الخيار الأوراسي خاسراً أمام الخيار الأطلسي وتضع العصبية الوطنية والقومية التركية على المحك. ولهذا ستكون الأيام القادمة حافلة بالتطورات للإحاطة بالموقفين التركي والروسي ورصد إمكانية ترتيب تسوية جديدة في موازاة استمرار تشدد موسكو ومحدودية خيارات أنقرة.

طبقاً للمجريات الميدانية، يتضح أن أنقرة تجنبت التصعيد الواسع بعد استهداف قواتها في 27 فبراير، واكتفت بقصف مدفعي واسع ضد القوات النظامية السورية. وتزامن ذلك مع رفض تركي لتبرير موسكو التي أشارت إلى عدم “تبليغها” بوجود جنود أتراك في إدلب إلى جانب الفصائل السورية المسلحة. وبينما ركز فيه سيرغي لافروف على “حق الجيش السوري في القضاء على الإرهابيين”، أعطى الكرملين أخيراً الموافقة على ترتيب لقاء قريب مع أردوغان.

في المقابل، دعا الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي لوقف العمليات العسكرية والتوصل إلى حل سلمي. ويبدو أن أردوغان المحرج يتريث لإتمام اتصالاته مع ترامب ونظرائه في أوروبا. في سياق التصفيات الأخيرة للحروب السورية عشية دخولها العام العاشر، وإزاء هذه الصورة الضبابية والحرص على احترام سقوف محددة في اختبار القوة متعدد الأشكال، لن يكون على الأرجح من تطورات دراماتيكية إلا في حال حصول انزلاق يؤدي إلى مواجهة إقليمية دولية.

والملاحظ أن اللعبة على حافة الهاوية بين بوتين وأردوغان، سيكون لها تداعياتها على البلدين المعنيين روسيا وتركيا، اللذين خاضا الكثير من الحروب عبر تاريخهما (15 حرباً على مدى ثلاثة قرون) والقليل من العلاقات الودية.

في هذا الإطار يبدو أن موسكو المتوجسة من الغرق في الأوحال السورية تستعجل ترتيب الأمور قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية لتفادي الاستنزاف ولتحويل انتصارها العسكري إلى إنجاز سياسي واقتصادي.

أما تركيا، التي تناور وتوسع دائرة تدخلها من شرق الفرات إلى شمال غرب سوريا وشرق المتوسط وليبيا، فتحاول عدم الخسارة بالضربة الروسية القاضية لأن الرقصة الأردوغانية على الحبل المشدود بين واشنطن وموسكو وصلت إلى خواتيمها. ولا بد من اعتماد خيارات ومعرفة أحجام، وإلا فكل خطأ غير محسوب أو كل ذهاب بعيدا في الأوهام الإمبراطورية، يمكن أن يقود إلى مغامرة خطرة تضرب طموحات أردوغان في الخارج وموقعه في الداخل.

حيال التصعيد في إدلب وجوارها، لفت النظر التقاطع في التصريحات بين زعيم حزب الوطن اليساري التركي دوغو برينجك، الموالي للمعسكر الأوراسي، والمفكر الروسي منظر “الأوراسية” ألكسندر دوغين، إذ شددا على أهمية الحفاظ على “الانزياح التركي نحو الشرق”.

هكذا تتحول المعركة إلى الداخل التركي وهوية تركيا ودورها الجيوسياسي في التوازنات الإقليمية والدولية، ولذا سيصعب على أردوغان الاستمرار في نهج اللعب على التناقضات والانغماس في النزاعات الإقليمية دون دفع أثمان وتقديم حسابات إن في الداخل أو مع اللاعبين الخارجيين.

وبعدما كان النجاح الاقتصادي من أهم إنجازات حزب العدالة والتنمية، تدلل السنوات الأخيرة على تراجع اقتصادي، خاصة بعد فرض واشنطن لعقوبات وتراجع العلاقات مع أوروبا.

كل ذلك لا يمكن أن يدفع أنقرة إلى التصعيد الكبير، بل التفتيش ربما عن “إنجاز عسكري” في الحد الأدنى من خلال توسيع المنطقة الآمنة العتيدة في إدلب لاحتواء أزمة نازحين جديدة (أكثر من ثلاثة ملايين يتواجدون في إدلب وجوارها) ولضمان ما تعتبره أنقرة ضمانا لأمنها القومي طبقاً لتفسيرها لاتفاق أضنة مع دمشق عام 1998.

لن تنقطع على الأرجح “شعرة معاوية” بين بوتين وأردوغان، رغم الاشتباك المباشر أو غير المباشر بين البلدين في الشمال السوري. بينما يحاول كل طرف متورط في تصفية الحسابات على الساحة السورية، تحقيق القدر الأكبر من المكاسب، تبقى مصيدة إدلب في المقام الأول كارثة إنسانية يدفع ثمنها السوريون وسط الصمت الدولي المريب.

9