معركة الأحجام وشعارات الأزمنة الموهومة

الأربعاء 2014/10/22

بلغت الحملات الانتخابية في تونس أوجها وسط تمايز واضح بين أحزاب كبرى وأخرى متوسطة، وثالثة مختفية في زحام الشعارات واليافطات والمال السياسي.

ومن الأحزاب الكبرى من حيث القدرة على التحشيد تبرز حركة النهضة ذات الخلفية الإخوانية، وكذلك نداء تونس ذو الخلفية الدستورية الليبرالية، وبعد ذلك تأتي أحزاب ومجموعات صغيرة وقوائم مستقلة يغيب صداها في الإعلام، وتكتفي بالتحرك في المحافظات التي تنتمي إليها، مستنفرة جمهور القبيلة (العروش) أو جمعيات كرة القدم.

وفيما تتجه أغلب القراءات إلى ترجيح كفة حركة النهضة ونداء تونس للفوز بالانتخابات التشريعية المقررة يوم 26 أكتوبر الجاري، فإن محللين ومراقبين يحذرون من أن أسلوب التحشيد الذي تمارسه النهضة على وجه الخصوص، لا يمكن أن يكون مؤشرا جديا على نجاحها في حيازة نسبة عالية في الانتخابات.

ويقول هؤلاء إن النهضة تدخل الانتخابات بجمهورها الحزبي ليس أكثر، وإنها قد لا تحصل على ما حققته في انتخابات المجلس التأسيسي (90 مقعدا من جملة 217، أي قرابة 41 بالمئة)، ذلك أن نسبة مهمة من الشعب التونسي وخاصة في الجهات الضعيفة والمهمشة قد صوتت للنهضة على أمل أن تغيّر من أوضاعها نحو الأحسن اعتمادا على كونها حركة إسلامية.

لكن الصورة جاءت عكسية، فلم تكف النهضة صفتها الإسلامية ولا المظلومية التي ترفعها في معاركها ضد رئيسي تونس السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، حتى تحقق للناس سلسلة الوعود الطويلة العريضة التي رفعتها وأبرزها تشغيل 400 ألف عاطل عن العمل.

النهضويون يتعللون بأن الظرف السياسي الذي حكموا فيه كان صعبا وأنهم لم يكونوا قادرين على فعل أي شيء في مواجهة سيل المطالب التي رفعها الشارع وتبنتها النقابات، وهذه حجة ضعيفة لأن مؤسسات الحركة، وفق ما صرح بذلك قياديون نهضويون، ناقشت طويلا أمر الحكم واختارت أن تتسلمه واضعة في اعتبارها أنها ستحكم في وضع صعب ودقيق.

مع الإشارة إلى أن الشارع الذي يشكو من ارتفاع جنوني في أسعار المواد التموينية ومختلف الخدمات، لا تهمه حيثيات الحكم ولا تحالف النقابات مع هذه الجهة أو تلك، ولا توظيف الخصوم لورقة الإرهاب لإسكات حكومتي حمادي الجبالي وعلي العريض مثلما يردد النهضاويون صباحا مساء، ما يهمها هو الحساب الظاهر الذي يمسكه بيده ويراه بأم عينه.

ومن المهم الإشارة، أيضا، إلى أن النهضة لم تفقد فقط ثقة جانب هام من جمهورها الانتخابي بفعل غياب المنجز على الأرض، وإنما امتدت أزمة الثقة إلى المتعاطفين معها ممن وعدتهم بخوض معارك مختلفة بينها تطبيق الشريعة (الجمهور السلفي الذي أصبح يكفرها)، أو العزل السياسي لأنصار المنظومة القديمة، و”تطهير” مؤسسات الدولة ممن انتمى إليها.

وتشهد فئة المتعاطفين مع النهضة غضبا كبيرا بسبب ما يصفه نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بتخاذل النهضة ورضوخها للمنظومة القديمة.

وهذه عينة من هذا الجمهور الغاضب، إذ يقول أحد هؤلاء النشطاء “هذه الحركة لا خير فيها، فهي رغم شعبيتها وامتدادها إلى قطاعات واسعة تعيش حالة من الخوف المرّضي التي تدفعها إلى الانبطاح للشيطان نفسه في أول مواجهة”، وإن “هذه الحركة لا يمكن المراهنة عليها”.

وتسعى الأحزاب الأخرى إلى استثمار نقاط ضعف النهضة هذه خاصة ما تعلق بفشلها في تحقيق وعودها، لكن الجميع يشترك في غموض البرامج الانتخابية والاكتفاء بشعارات كبرى لا تعني الشارع كثيرا قياسا بالقضايا المعيشية المباشرة.

فالأحزاب الليبرالية واليسارية بمختلف تلويناتها تحصر المعركة ضد النهضة في ملف الهوية الوطنية، بمعنى علاقتها بالمكتسبات التي بنتها دولة الاستقلال، وهي مكتسبات أصبحت عنوان الهوية التونسية مثل مجلة الأحوال الشخصية، والحريات الفردية والعامة، وتحييد الدين في المعارك السياسية.

وإذا كانت هذه القضايا، وأغلبها أيديولوجية، مهمة ومصيرية فإنها لا تهم إلا فئة قد لا تفوق عشرين بالمئة من القاعدة الانتخابية من المشتغلين بقضايا الفكر والفن والثقافة ومن المنتمين إلى الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني والطبقة الميسورة والمرفهة، لكن هناك فئات شعبية واسعة في الأحياء الشعبية بالمدن أو في القرى والأرياف تريد أن تسمع صدى معاناتها في برامج الأحزاب.

وهناك قضايا كثيرة تذكرها برامج الأحزاب عرضا، ولا يفرضها الإعلام ملفات يومية على شاشاته وصفحاته مثل الزيادات المستمرة في الأسعار خاصة السلع التموينية، والخدمات التي تمس المواطن بشكل مباشر مثل أسعار الكهرباء والغاز ومياه الشرب والنقل، فضلا عن قضية الضرائب. من المفروض أن تقدم الأحزاب رؤيتها الخاصة لحل أزمة السكن، وهي أزمة صارت حادة ومعقدة في ظل ارتفاع كبير لأسعار العقارات ومحدودية المساحات المخصصة للبناء، وكذلك تقديم تصورات وحلول لأزمة النقل التي تربك الاقتصاد التونسي.

وفضلا عن تهرب غالبية الأحزاب من اقتراح برامج ذات صبغة اجتماعية واقتصادية، فإنها تسكت عن مناقشة القضايا التي تطرحها وسائل الإعلام أو حكومة تسيير الأعمال، مثل قضية الترفيع في سن التقاعد من 60 إلى 62 سنة.

وقد مرت تصريحات الوزير المكلف بالاقتصاد والناطق الرسمي باسم الحكومة نضال الورفلي التي أطلقها منذ يومين حول نية رفع سن التقاعد اعتبارا من 2015 مرور الكرام، رغم أنها مسألة مهمة بالنسبة إلى قضية انتداب المزيد من العاطلين عن العمل.

وتشترك في هذا الصمت المقصود غالبية الأحزاب بيمينها ويسارها ووسطها، وهي تعرف أن الإصلاحات التي تنفذها حكومة المهدي جمعة حاليا وقبلها حكومتا النهضة، هي شروط وتعليمات من المؤسسات المالية الدولية.

فكيف سيختار الناخب ومن سيختار في ظل صخب انتخابي جارف يريد أن يقول كل شيء ولا يقول شيئا سوى وعود تتبخر مع الساعات الأولى لإعلان النتائج.


كاتب وإعلامي من تونس

7