معركة الأخبار تندلع بين وكالات الأنباء وعمالقة الإنترنت

لم تعد وكالات الأنباء قادرة على الرضوخ لسياسة الأمر الواقع التي تفرضها شركات الإنترنت العملاقة المستفيدة من محتوى إخباري لا تدفع مقابل إنتاجه، وتقترح وسائل الإعلام في فرنسا وألمانيا وإسبانيا تصحيح البعض من انعدام التوازن عبر حصولها من الاتحاد الأوروبي هي ووسائل إعلامية أخرى، على “حقوق تأليف ذات صلة” بعملها.
الجمعة 2017/12/15
المستخدمون يبحثون عن الأخبار الموثوقة

باريس - دعت تسع وكالات أنباء أوروبية إلى فرض بدل مالي على شركات الإنترنت العملاقة مقابل حقوق الملكية لاستخدام المحتوى الإخباري الذي تجني منه أرباحا طائلة.

ويناقش الاتحاد الأوروبي تشريعا يفرض على فيسبوك وغوغل وتويتر وغيرها من الشركات العملاقة دفع بدل مالي مقابل الملايين من المقالات الصحافية التي تستخدمها أو تنشر روابط لها.

وقالت الوكالات في بيان نشر بالفرنسية في صحيفة “لوموند” إن “فيسبوك أصبحت أكبر وسيلة إعلامية في العالم، ولكن لا فيسبوك ولا غوغل لديهما قاعة أخبار. ليس لديهما صحافيون في سوريا يجازفون بحياتهم ولا مكتب في زيمبابوي يغطي رحيل موغابي وليس لهما محررون يتحققون من صحة الأخبار التي يرسلها المراسلون على الأرض”.

وأضافت وكالات الأنباء إن “الحصول على الأخبار مجانا يفترض أن يكون من إنجازات الإنترنت الكبرى، لكنه مجرد وهم. ففي نهاية الأمر، إن إيصال الأنباء إلى الجمهور يكلف الكثير من المال”.

وقال البيان إن “الأخبار هي السبب الثاني، بعد التواصل مع العائلة والأصدقاء، الذي يجعل الناس يستخدمون فيسبوك التي ضاعفت أرباحها ثلاث مرات إلى عشرة مليارات دولار (8.5 مليارات يورو) السنة الماضية”.

الأخبار الحرة والموثوقة التي تشكل عماد الديمقراطية باتت مهددة، لأن وسائل الإعلام غير قادرة على تحمل تكاليفها

مع هذا فإن عمالقة الإنترنت هي التي تجني الأرباح من “عمل الآخرين” من خلال جني ما بين 60 إلى 70 بالمئة من مداخيل الإعلانات، علما أن أرباح غوغل تزداد بمعدل 20 في المئة كل سنة.

وفي هذه الأثناء تراجعت إيرادات الإعلانات لدى وسائل الإعلام 9 بالمئة في فرنسا وحدها السنة الماضية “في ما يعد كارثة بالنسبة إلى صناعة الإعلام”.

وقالت الوكالات إن “سنوات مرت (دون فعل شيء) وبات جمع الأخبار الحرة والموثوقة مهددا اليوم لأن وسائل الإعلام لن تتمكن بعد الآن من تحمل تكاليفه. إن مصادر الأخبار المتنوعة والموثوقة التي تشكل عماد الديمقراطية، معرضة لخطر الانهيار”.

وقالت إن مساعي وسائل الإعلام في فرنسا وألمانيا وإسبانيا لإرغام عمالقة الإنترنت على دفع بدل مادي لم تنجح سوى في الحصول على “بعض الفتات” منها، مقترحة تصحيح البعض من انعدام التوازن عبر حصولها من الاتحاد الأوروبي هي ووسائل إعلامية أخرى، على “حقوق تأليف ذات صلة” بعملها.

ولكن بعض أعضاء البرلمانات الأوروبية أعربوا عن قلقهم من أن يؤدي التشريع المقترح إلى تهديد حرية حصول مستخدمي الإنترنت على الأخبار.

وعلى ذلك ردت وكالات الأنباء بالقول إن “مستخدمي الإنترنت لن يتأثروا وإنما فقط أولئك الذين يجنون حصة غير متكافئة من عائدات الإعلانات عليهم أن يتقاسموا قسما جيدا منها مع أولئك الذين يقومون فعلياً بإنتاج الأخبار “التي تُجنى بفضلها الأموال”.

وليس النموذج الاقتصادي هو وحده الشائك بالنسبة إلى وسائل الإعلام في منصات الإنترنت، فالمسألة تطال أيضا المحتويات وترتيبها الخارج عن سيطرة وسائل الإعلام والخاضع لمعادلات المحركات.

إيرادات الإعلانات لدى وسائل الإعلام 9 تراجعت بالمئة في فرنسا وحدها السنة الماضية "في ما يعد كارثة بالنسبة إلى صناعة الإعلام"

وتظهر دراسة صادرة عن مركز بيو المستقل للأبحاث، أن “أثر مجموعات التكنولوجيا على قطاع الصحافة يتخطى المسائل المالية ليشمل مسائل أعمق بكثير”، حيث بات المحررون من عمالقة الإنترنت “يتجاوزون خيارات مواقع الإعلام وأهدافها ليضعوا محلها خياراتهم الخاصة”.

ويرى البعض في هذه الخطوة فرصة لتعميم المعلومات على صعيد أوسع، لكن آخرين يعربون عن قلقهم من نوعية الأخبار.

وقال دان كينيدي الأستاذ المحاضر في الصحافة في جامعة “نورث إيسترن” إنه “ليس لديكم أي فكرة عما سيراه المستخدمون وليس من المستبعد أن تكون المعلومات المقدمة لهم سطحية جدا”. لكن “الجيل الشاب يفضل المعادلات على محرري الأخبار”.

ووقعت على الالتماس وكالة الأنباء الفرنسية (أف. ب.) ووكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) وجمعية الصحافية البريطانية (ب ب أ) ووكالات الأنباء الإسبانية (أ ف ي) والإيطالية (إنسا) والسويدية “ت ت” والبلجيكية “بلجا” والنمساوية “أ ب أ” والهولندية “أ ن بي”، فيما لم يرد اسم وكالات الأنباء الأميركية مثل وكالة رويترز ووكالة أسوشيتد برس ضمن أسماء الوكالات الموقعة على البيان، رغم أنها تأثرت سلبا أيضا بهيمنة شركات الإنترنت على المحتوى الإخباري.

وكانت دراسة أجراها نيك نيومان من معهد رويترز قد تطرقت إلى “مخاوف مرتبطة بتكييف المعلومات بحسب الحاجات واعتماد معادلات حسابية قد تغض الطرف عن أخبار مهمة ووجهات نظر مختلفة”.

وذلك بعد أن اتهم موقع “غيزمودو” الإخباري فيسبوك بالتلاعب بنشرة المواضيع الرائجة على منصتها، مع تقديم أدلة على هذه الاتهامات. وبعد تحقيق داخلي، خلص فيسبوك إلى أنه لم تجر أي محاولات مقصودة للتلاعب بالمواضيع، لكنه تعهد بالحفاظ على حيادية الشبكة.

وصرحت شيريل ساندبرغ مديرة التشغيل في فيسبوك خلال طاولة مستديرة نظمت في واشنطن “نحن مجموعة تكنولوجية ولسنا وسيلة إعلام”، موضحة “لا نسعى إلى توظيف صحافيين أو تحرير الأخبار”. لكنها شددت على أهمية التدخل البشري في هذا الخصوص.

صحيح أن ترتيب الأخبار خاضع لمعادلات مؤتمتة على منصات الإنترنت، غير أن البرامج التي تدير هذه المعادلات هي من إعداد اخصائيين يقومون بخيارات لتسيير هذه البرمجيات.

من ثم “تطرح تساؤلات بشأن شفافية” الآلية برمتها، على حد قول نيكولاس دياكوبولوس الأستاذ المحاضر في الصحافة في جامعة ميريلاند. ومن المهم جدا في هذا الخصوص “معرفة نوع البيانات التي تغذي البرمجيات”، بحسب الأكاديمي الذي دعا إلى “وضع معايير خاصة بالشفافية”.

18