معركة الأنبار تتحول إلى حرب استنزاف طائفية تعقد حل معضلة العراق

الخميس 2014/02/06
الحرب الدائرة في الغرب مرحلة تمهيدية لمعارك الانتخابات العراقية

تكشف المعارك المسلّحة الدائرة في منطقة الأنبار، غرب العراق، عن مدى انغماس العصابات المحليّة في الفوضى العارمة، وهي معارك، تدور على كافة الأصعدة، من جهة معارك تخوضها القبائل السنيّة ضدّ الحكومة، ومن جهة أخرى معارك تخوضها الحكومة ضدّ تنظيم القاعدة.

تثبت مشاهد العنف في شوارع الأنبار فشل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في معالجة مشاغل السنيّين، ولكنّها تبقى، بالخصوص، عوارض فاضحة لتصاعد خطر التطرّف الاسلامي بسوريا والعراق. إذ استحوذت الأقليّة السنيّة بالبلاد، تحت حكم صدّام حسين، على جلّ مناصب النفوذ بالحكومة والجيش، إلّا أنّ الغزو الأميركي للمنطقة، في 2003، قلب الموازين، بتسليمها مقاليد الحكومة وقوات الأمن للشيعة.

هذا الوضع خلق استقطابا طائفيا في البلاد، تجسّد بالخصوص في الاحتجاجات المُطالبة بتحرير عشرات الآلاف من المُحتجزين الذين غالبا ما يتم اعتقالهم -دون تهمة تُذكر- من قبل قوات أمن الحكومة، وبإصلاح النظام الأمني والقضائي الذي يستهدف السنيين ظلما.

وقد وجد المُتظاهرون مُساندة شعبيّة وعلنيّة، منذ خروج الآلاف منهم إلى شوارع الفلّوجة والرمادي، وقد دعمهم في احتجاجاتهم بعض من رموز الشيعة في العراق على غرار علي الحسيني السيستاني ومقتدى الصدر. وقد حمّل الباحث السياسي العراقي، مثنى عبدالله، رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي المسؤولية عما يجري غرب البلاد، قائلا إنه “يحاول تمزيق النسيج الاجتماعي لمنطقة الأنبار”.

باءت كلّ محاولات المالكي لحلّ الأزمة بالفشل، إذ لم يستجب السنّة لمطالبته بفضّ التظاهرات، ثمّ اعتبروا إعلانه الإفراج عن 3000 محتجز تصريحا كاذبا. أمّا مجموعة الإصلاحات التي حدّدها، بمساعدة صالح المطلك، نائب رئيس الحكومة، فقد رفض “أعداء السنّة” بالبرلمان العراقي -من شيعة وغيرهم- المُصادقة عليها. وانتهى بذلك المطاف بالمالكي إلى تصنيف المُتظاهرين كـ”متمردين”، وتهديدهم باتخاذ إجراءات صارمة ضدّهم.

ولم يتردّد المتظاهرون في الردّ على هذا التّهديد بتصريحات تضاهيه حدّة، خاصّة وأنّ أبرز المسؤولين في الحكومة على اقتناع بأنّ المتظاهرين يتبعون أنموذج المقاتلين السنّة بسوريا أو هم في تحالف مباشر معهم، وهم مُعارضون لنظام بشّار الأسد الذي ينتمي إلى الطائفة العَلوية التي تتفرّع بدورها عن التيار الشيعي.

يُذكر أنّ مُحاولة المالكي المستميتة لفرض مجموعة إصلاحاته على البرلمان قد تزامنت مع إعلان الفرع العراقي لتنظيم القاعدة عن إنشاء “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وفي ذلك تحد مباشر ومتعمد لرئيس الوزراء العراقي وللسلامة الإقليمية ككلّ. إذ تصاعدت موجة القتل لتبلغ أوجها منذ 2008، مع عزم “داعش” شنّ الحرب على الحكومة العراقيّة.

في غياب أيّ تطوّرات تذكر في مفاوضات المالكي مع المُتظاهرين السنيين، تبقى منطقة الأنبار قنبلة منفجرة، قد تصل شظاياها إلى كل العراق والمنطقة، خاصّة في ظلّ عبور مُقاتلي “داعش” الحدود السوريّة-العراقيّة بصفة منتظمة.

الأنبار.. أكبر محافظة عراقية من ناحية المساحة، تقع أقصى غرب البلاد وتتألف من 32 % من مجموع كتلة الأرض في العراق

فشلت الغارة التي أمر المالكي بشنّها، في 21 ديسمبر 2013، على مُعسكر تدريب للمُنظمة، فعمد، إثر ذلك، إلى تكليف قوات مقاومة الإرهاب بالقبض على أحمد العلواني (مُشرّع سنيّ يُعد خطابه مُتعصّبا) وبفضّ معسكر المتظاهرين في الأنبار. وقد دفعت هذه الأحداث بالقبائل السنية ذات النفوذ إلى القيام بانقلاب أجبر المالكي على سحب كتائبه من الفلّوجة والرمادي، ممّا سمح لقوات “داعش” بالاستيلاء على البلدتين.

وحمّل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مسؤولية تدهور الاوضاع الأمنية في العراق مناصفة إلى “الأخطاء المرتكبة في الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، وفشل القوى الراهنة في بلورة نظام سياسي معتبر.. بل أضحى العراق بلدا منقسم بشدة وفق أسس طائفية وعرقية”.

مع اقتراب موعد الانتخابات العامة، المقرّر في 30 إبريل، تتخطّى حالة عدم الاستقرار والفوضى حدود الأنبار نحو بقية أنحاء البلاد، مؤثرة سلبا على سير الانتخابات السنيّة في المنطقة. إذ أضحت كافّة المناطق السنيّة بالبلاد غارقة في النزاعات، ممّا من شأنه أن يؤول بالبلاد إلى حرب أهليّة أو أن يمنح المالكي عذرا مقنعا للبقاء في الحكم إثر الانتخابات القادمة التي من المتوقع أن تخلّف نتائج متقاربة. ولعلّ أهمّ خطر يواجه البلاد، في ظلّ هذه الظروف، هو تسهيل انتشار الفوضى عبر اندساس مقاتلي القاعدة في البلاد وتصعيد حدّة الأوضاع.

بذلك يضمحّل سراب تحقيق الاستقرار بالعراق بمرور الأيام، رغم حرص الحكومة الأميركيّة على إرسال طائرات مراقبة وصواريخ هيلفاير، الشّهر الماضي، لمساندة حكومة المالكي في التصدّي للقاعدة. فالمعركة الضارية، بين الحكومة العراقيّة والقبائل السنيّة، والدوافع المتضاربة للطرفين لا تنفك تصعب مهمّة إدارة أوباما لإيجاد حلّ لمعضلة القاعدة بالعراق، وللكارثة الطائفية بالبلاد، ومن ثمة تتحوّل منطقة الأنبار، التي أودت بحياة مئات الأميركيين، إلى بوتقة عنف من جديد.

6