معركة الأنبار تنسف ما تبقى من هيبة القوات العراقية

فساد وضعف في العقيدة القتالية ونقص في العتاد وخضوع للتجاذبات السياسية والاعتبارات الطائفية… إنّها وصفة تهاوي القوات المسلّحة العراقية التي تجرّ عليها الهزائم تباعا وتفتح الباب للميليشيات لتسيّد المشهد العسكري العراقي.
الثلاثاء 2015/05/19
الاعتبارات الطائفية من أخطر أمراض المؤسسة الأمنية والعسكرية العراقية

الرمادي (العراق) - وجّه سقوط مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار بغرب العراق بشكل كامل بيد تنظيم داعش، ضربة جديدة للقوات المسلحة العراقية التي لم تستطع تجاوز مخلفات انهيارها في يونيو الماضي أمام زحف التنظيم حين أحدثت ما وصف بـ“الزلزال” الذي تجاوزت ارتداداته الجوانب الأمنية إلى الأوضاع السياسية في البلاد.

وكان الانهيار الأوّل للقوات المسلّحة العراقية أفرز الميليشيات الشيعية كقوّة شبه عسكرية في البلاد مستعدة للسطو على دور الجيش والشرطة العراقيين ومكانتهما.

كما أفرز ذلك الانهيار بروز قوات البيشمركة الكردية كقوة وحيدة قادرة على التصدي لداعش في بعض مناطق العراق.

إلاّ أن ذلك لن يكون من دون ثمن وتبعات، إذ أن من المناطق التي سيطرت عليهـا البيشمركة ما هو محل تنازع بين بغداد وأربيـل، وسيكون من الصعب إجبار القوات الكردية على الانسحاب منها في مرحلة ما بعـد الحرب على تنظيم داعش، وسيصر الأكراد على أن تلك المناطق جزء مـن إقليمهم وربما دولتهم المستقبلية التي سبـق لرئيس الإقليـم مسعـود البارزاني أن قال إن حدودها “ترسم بالدم”.

وفي مدى أوسع فتح انهيار القوات المسلّحة العراقية الباب لإيران للتدخل بشكل سريع وميداني أحيانا في الشأن العراقي وتقديم نفسها في صورة المنقذ للبلاد من غزو داعش.

ورسّخ فرار القوات العراقية المكلّفة بحماية مدينة الرمادي مجدّدا الصورة السلبية لتلك القوات وأبرز ضعف عقيدتها القتالية وخضوع قادة فيها للتجاذبات السياسية، حيث حامت شكوك في أن سقوط الرمادي لم يكن سوى مؤامرة محبوكة ومدبّرة لتسليط عقاب جماعي على سكان المدينة ولفتح الطريق أمام غزوها من ميليشيات الحشد الشعبي.

وتكرست صفة الضعف الملازمة للقوات المسلحة العراقية مع نشر تنظيم داعش صورا لعدد كبير من المركبات والآليات العسكرية المجهزة بالأسلحة قال إنّه غنمها من هجومه الأخير على الرمادي.

وإزاء الخوف من انهيار أوسع للقوات المسلّحة العراقية ما يفتح الطريق أمام تنظيم داعش نحو العاصمة بغداد التي لا تبعد عن مدينة الرمادي سوى مئة كيلومتر، لم يجد رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي يشغل أيضا منصب قائد أعلى للقوّات المسلّحة بدّا من توجيه نداء عاجل لمنتسبي تلك القوات حاثا إياهم على الثبات في مراكزهم وعدم الانسحاب والسماح لداعش بالتمدد نحو مناطق أخرى.

حميد الهايس: قائد شرطة الأنبار سلم المحافظة وأسلحة الشرطة لداعش عمدا

ويعزو خبراء عسكريون ضعف القوات العراقية إلى عدد كبير من العوامل من بينها الفساد، حيث شهدت فترة حكم رئيس الوزراء السابق عقد صفقات ضخمة بالمليارات شابها فساد كبير ولم تستفد منها القوات في تطوير ترسانتها، بل إن بعض المعدّات التي تم اقتناؤها كانت تالفة وغير صالحة للاستخدام.

وشهدت ذات الفترة تسلل عشرات الآلاف من الجنود الوهميين الذين يطلق عليهم اسم “الفضائيين” إلى داخل الجسم العسكري دون أن يكون لهم أي وجود فعلي في الخدمة عدا وجودهم على دفاتر الرواتب وكشوفها.

وحسب الخبراء فإن أخطر ما تسلل من أمراض إلى الجسم العسكري العراقي الاعتبارات الطائفية في التوظيف وإسناد الرتب الحساسة والعالية إلى أبناء الطائفة الشيعية القابضة عمليا على مقاليد الحكم في العراق.

ورسّخ هذا العامل الشعور بالتمييز والظلم لدى أبناء طوائف عراقية أخرى، ووصل الأمر حدّ تعاطف بعض المنتمين من هؤلاء إلى القوات المسلّحة مع تنظيم داعش وخدمته سرّا.

ولم يخل حدث سقوط الرمادي من اتهامات بالخيانة لقيادات عسكرية وأمنية عراقية. ووجّه قائد مجلس إنقاذ الأنبار حميد الهايس أمس اتهاما صريحا لقائد شرطة الأنبار كاظم الفهداوي بتسليم المحافظة ومعها أسلحة الشرطة لتنظيم داعش.

ونُقل عن الهايس قوله إن الفهداوي سلم أسلحة الشرطة لعناصر داعش فور وصولهم إلى الرمادي، مطالبا بأحالة الضابط إلى المحاكم العسكرية على خلفية ما وصفه بـ”خيانته الأخيرة لمحافظة الأنبار”.

وفي سياق المعالجات السطحية والعاجلة لوضع القوات العراقية جرت مؤخرا حركة تغيير للقيادات الأمنية والعسكرية بنقل بعضهم من مناطق إلى أخرى وإقالة البعض الآخر. وأُعلن أمس عن إعفاء قائد الفرقة الأولى بالجيش العراقي بمحافظة الأنبار.

وكشف العقيد وليد الدليمي أنّ “قائد الفرقة الأولى بالجيش العراقي، العميد الركن موسى كاطع تم إعفاؤه من منصبه بأمر من القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية”.

وأوضح الدليمي أن سبب الإعفاء، جاء نتيجة تدهور الوضع الأمني ضمن مسؤولية الفرقة الأولى، وسوء إدارته لقيادة الفرقة، وإدارة العمليات العسكرية في قاطع قضاء الكرمة الواقع على مسافة 53 كلم شرق مدينة الرمادي.

وكان كاطع تولى مهام قائد الفرقة الأولى في أبريل الماضي بعد مقتل سلفه خلال مواجهات واشتباكات مع تنظيم داعش في ناظم الثرثار شمالي الفلوجة.

وأفضت سلسلة من الهزائم والتراجعات الجزئية للقوات المسلّحة العراقية في محافظة الأنبار إلى سيطرة تنظيم داعش على مدينة الرمادي مركز المحافظة بالكامل بما فيها المقرات الأمنية والدوائر الحكومية وبيوت المسؤولين ومقر قيادة عمليات الأنبار ومقر اللواء الثامن التابع للجيش، فيما انسحبت القوات الأمنية إلى قاعدة الحبانية الجوية شرقي الرمادي.

3