معركة "التشريب"

السبت 2014/07/05

ساعات الصوم في الديار البريطانية أطول من ظلال خط الاستواء على وجه الكرة الأرضية، ولا بأس في ذلك – اللهم لا اعتراضا- فضلا عن ذلك، فإن الوقت الذي لا يفلح في قتلك يصح أن تقتله. وبدأت بالتخطيط لمعركة قتل الساعات الطويلة بسكين عمياء ومحاولة إعداد مائدة إفطار عامرة، فخطر الثريد أو “التشريب” على بالي؛ الطبخة المحلية التقليدية التي تختصر محطات كثيرة من المسافة التي تفصلني عن موعد الإفطار.

ولا بأس أولا من القيام بجولة معلوماتية بسيطة في مكتبة الإنترنت لإنعاش الذاكرة والبحث عن التفاصيل والاحتمالات والمذاقات المتوافرة وطريقة التقديم، فالأجهزة التقنية المحمولة (أرضا) أصبحت البديل الوحيد المتاح لنصائح الخالة والعمة والجارة اللاتي سقطن – سهواً- عن خارطة الشهر الفضيل.

الثريد الذي يحمل الهوية العربية بامتياز يمتلك أيضا معناه المحلي الضيق في البلد الذي ينام على جمرة الحطب ويصحو على نار التشرذم، و”التشريب” هو المسمى المعتمد؛ حيث يطلق على عملية تشريب الخبز المقطع أو المفتت حتى أذنيه بمرق اللحم أو الدجاج.

ورغم التغييرات المحسوسة التي طرأت على مكونات الطبق الشهير عبر السنين والأحداث، إلا أنه مازال محتفظا بشكله النهائي وربما مذاقه في الصور المنشورة على الإنترنت.

مسافة زمنية طويلة تفصلني عن أول طبق “تشريب” تذوقته في حياتي، ومسافة نفسية بعيدة تفصلني عن الذكريات الجميلة التي تعلقت بزوايا الطبق الدافئ؛ فالذاكرة الوحيدة التي أمتلك –الآن- هي ذاكرة حاسوبي الشخصي، وهي لا تحصي سوى خطب رنانة لسياسيين هي أشبه بالتشريب (المخربط) الخالي من اللحم والعظم.

تنقلت بين الصور والوصفات شمالا وجنوبا، شرقا وغربا قاطعة مسافات الصراع في المدن الملتهبة التي ضيعت اتجاهها؛ فلم أجد مدينة أو عشيرة أو طائفة أو حزبا ديمقراطيا إلا ويدعي امتلاكه الحقوق الفكرية لصناعة التشريب؛ فأحفاد الامبراطورية البابلية ينسبون الطبق إلى أجدادهم العظام الذين تعبوا كثيرا في (تشريب) الطبق وتزيينه مع إيمانهم الكبير بأهمية الدور الذي يضطلع به البصل والثوم في إبعاد الغرباء والمتسللين، في حين يؤكد أتباع “سنحاريب” بأن عصره الذهبي شهد إضافة محسوسة لبعض المنكهات والبهارات كالزعفران والدارسين والمكونات غالية الثمن على الطبق المحلي مثل المكسرات، التي حصرت تداول التشريب بين صفوف الأغنياء والمتكبرين من أبناء الشعب. أما أنصار التيار الوطني “لسرجون الأكدي” فبلغ معهم الغرور حده، حين قرروا إن (اختراع) تفتيت اللحوم مع معجون الخبر هو امتياز لا يمتلكه أعداؤهم.

والحال هذه، كدت أن أخرج من معركة التشريب بخفي حنين وخفت على نفسي من تبعات محاكمة تاريخية، يتهمونني فيها بسرقة السر الذي غفا -مشكورا- في لحود الملوك والأباطرة على امتداد آلاف من السنين، لو لا أن الحاضر صار شديد الشبه بالتاريخ مع اختلاف ضئيل في أسباب الموت طبعا؛ حيث لم تشهد صراعات الساسة في أيام ملوك الشمس وآلهة القمر، حول الملكيات الفكرية لأطباق الطعام المحلية والإقليمية، أي نوع من العقوبات المفخخة أو العبوات اللاصقة، كما لم يكن الانتحاريون المستعدون للموت في صحن “تشريب” ساخن قد ولدوا بعد، أما محطات التلفزيون الأخطبوطية التي تصنع حروبا داخلية معجونة باللحم المفتت والعظام المهشمة وتصب الزيت على النار، فلم يكن لها أثر يذكر في كتب تاريخ الامبراطوريات العظمى.

والنار هذه الأيام المكون المجاني الوحيد في البلد، الذي يطبخ فيه “التشريب” على نار هادئة لكنه لا يسمن من جوع فقير ولا يشفي من غليل صائم.

لاحول ولا قوة إلا بالله.

20