معركة الثقافة العراقية

معركة الثقافة تبقى قائمة في العراق، حتّى يتم التخلص من هيمنة الأحزاب على السلطة ومقدرات البلاد.
الأربعاء 2019/03/13
معركة إصلاح وزارة الثقافة مستمرة

تُعدّ الثقافة مؤشرا حيويا على مدى تحضر الدولة وسمة من سمات وطنيتها في عصرنا الحديث، وكلما ازداد الاهتمام بها من لدن الحكومات والإدارات المتعاقبة، كلما اتضح للعالم مدى جديّة وإخلاص هذه الحكومات لقضية التطور والتنمية البشرية والتعليم والتربية الوطنية.

وعلى سبيل المثال فقد طبّق أوّل وزير للثقافة الفرنسية بعد الحرب العالمية، الكاتب والمفكر الفرنسي أندريه مارلو، مبدأ “حقّ الجميع في الثقافة” الذي نصّ عليه الدستور الفرنسي، فأسس المراكز الثقافية في جميع أنحاء فرنسا، ودعم الفنون بكل أنواعها، وطالما اعتقد بأنّ الاقتصاد والثقافة معركة واحدة، ففتح المجتمع الفرنسي على ثقافات العالم المختلفة كما قام بتفعيل رعاية الحكومة للفنون وطبّق مبدأ ديمقراطية الثقافة عمليا، لكن هذا الأمر جرى في فرنسا وليس في العراق الذي يشهد تدهورا مريعا في العلاقات الثقافية واندحار مظاهر التحضر والممارسات المدنية، بعد أن شهد قفزة كبيرة في ترصين تلك الممارسات الثقافية وآلياتها في عهد النظام السابق، لجهة فتح المراكز الثقافية في أغلب المدن والقصبات وترسيخ المؤسسات الثقافية الرصينة كدار المأمون للثقافات الأجنبية والترجمة ودار الشؤون الثقافية لإصدار المطبوعات والمجلات الدورية والكتب ودار ثقافة الطفل العريقة ودائرة الفنون الموسيقية وغيرها الكثير من المؤسسات التي كان يديرها مثقفون نزيهون ومخلصون لقضية الثقافة من أمثال ناجي الحديثي وفاروق سلوم ومحسن الموسوي وأمل الشرقي وغيرهم ممن تحتفظ لهم ذاكرة الأجيال بمكانة ثقافية مرموقة، على الرغم من محاولات البعض خلط الأوراق ومحاولة الحطّ من مكانة البنية الثقافية العريقة التي كانت قائمة آنذاك، بدعوى تبعيتها للنظام الدكتاتوري.

وعلى الرغم من هيمنة الدولة زمن النظام السابق وتغولها، إلّا أن القطاع الثقافي بشكل خاص، ظل بعيدا عن تلك الهيمنة إلى حد ما، نتيجة للمهنية العالية التي كان يتمتّع بها أغلب المسؤولين عن هذا القطاع من المثقفين، كما أن النظام، على الرغم من هيمنته وجبروته، ظل واعيا للوظيفة الثقافية وخطورتها وحريصا على عدم التدخل المباشر فيها أو فرض دخلاء محسوبين عليها من خارج الوسط الثقافي، على العكس مما يحصل الآن من تدخلات فاضحة وهيمنة ساذجة على مفاصل الثقافة العراقية من أشخاص غرباء عن الوسط الثقافي لكنّهم محسوبون على الأحزاب الإسلامية الحاكمة.

وعلى الرغم مما شهدته الحياة الثقافية العراقية من انتعاش نسبي زمن تسلم المثقف اليساري مفيد الجزائري مهام وزير الثقافة، في خطوة كانت خارج السياق الإداري السائد والمعروف آنذاك، إلّا أن هذا الانتعاش سرعان ما انتكس من جديد حالما خرج الجزائري من الوزارة وجاء من بعده عدد من الوزراء السياسيين البعيدين كل البعد عن الثقافة ومناخها، بل كانوا من رموز الفساد والطائفية المعروفين، لتتحول الوزارة إلى بيئة طاردة للكفاءات.

وعلى الرغم من تنصيب عالم الآثار العراقي والناشط البيئي المعروف عبدالأمير الحمداني وزيرا للثقافة مؤخرا، إلّا أن محاولات إصلاح الوزارة ومديرياتها ظلت عقيمة، نتيجة لهيمنة الدخلاء على مفاصلها، وخلو مديرياتها من الكفاءات المعروفة وشحة الأموال المخصصة للنشاطات الثقافية المهمة وخضوع وكالاتها للتحاصص الحزبي والطائفي والعرقي المشين، الأمر الذي دعا اتحاد الأدباء وفروعه في المحافظات ليشمّر عن ساعديه ويتبنى إدامة الفعاليات الثقافية التي عُرف بها العراق منذ عقود طويلة، ويجتهد في تأمين التمويل اللازم لها، سواء من الوزارة نفسها بتحفيز ودعم من الوزير الجديد، أو من بعض الشركات الداعمة التي تتمتع بحس وطني نسبي، لكن مع ذلك، تبقى معركة الثقافة قائمة ومتواصلة في العراق، حتّى يتم التخلص من هيمنة الأحزاب على السلطة ومقدرات البلاد.

14