معركة الرئاسة أم البرلمان أولا؟

الاثنين 2013/12/16

من بين معارك كثيرة تحفل بها الساحة المصرية، هناك معركة محتدمة تدور رحاها في الخفاء والعلن، بين قوى مختلفة، تتعلق بأيهما ستكون له الأولوية؛ الانتخابات الرئاسية أم البرلمانية؟ فبعد انتهاء لجنة الخمسين من إعداد مشروع الدستور، وقيامها بترك هذه القضية مفتوحة، نشبت خلافات في أوساط أحزاب وحركات سياسية متعددة، فهناك من فضل إجراء الرئاسية أولا، ومن طالب بالالتزام بخريطة الطريق، التي وضعت البرلمانية بعد الاستفتاء على الدستور، قبل الانتخابات الرئاسية.

كان من الممكن أن تسير الأمور بصورة طبيعية ويتم الالتزام بالترتيب الذي وضعته خريطة الطريق، وكان من الممكن أيضا التعديل والتبديل، لو أن جميع القوى السياسية غلّبت في تقديراتها المصلحة الوطنية، لكن لأن العلاقات بين الأحزاب مسكونة بالهواجس، والموقف من السلطات الحاكمة حافل بالمخاوف، والشكوك في نوايا جماعة الإخوان المسلمين وصلت حدا مخيفا، لذلك تصاعدت المزايدات حول من ستكون له الأولوية. وتحولت هذه القضية إلى مادة خصبة لاختبار موازين القوى، بعد أن جرى اتخاذها مطية لتحقيق مكاسب شخصية أو تكبيد الآخرين خسائر سياسية، وضاعت القيمة المعنوية التي على أساسها وضعت لجنة الخمسين مسألة حسم الترتيب في يد رئيس الجمهورية، وفقا لمقتضيات المرحلة المقبلة، المحاطة بمجموعة من التحديات.

الظاهر أن كل طرف لديه من الأسانيد ما يدعم حججه في اختيار هذه أو تلك. فالفريق الداعم للرئاسية أولا، يرى أن التبكير باختيار رئيس قوي للجمهورية، يمكن أن يخمد كثير من النيران السياسية والأمنية والاقتصادية في الشارع المصري، والتي لم تستطع الحكومة الحالية اتخاذ قرارات نهائية بشأن حلها، باعتبارها حكومة مؤقتة أو انتقالية، وتخشى من عواقب القرارات المصيرية. كما أن التعجيل سوف يكتم أفواه الإخوان التي تعالت مؤخرا، وأصبح تعطيل خريطة الطريق هدفا مركزيا في أجندتها، لأن الرئيس الرمز سيعطي انطباعات للداخل والخارج بالاستقرار. علاوة عن أن الإجماع على الفريق أول عبد الفتاح السيسي، يمكن استثماره لترشيحه لمنصب الرئيس، ويتخوف أنصار هذا الفريق من حدوث عراقيل في المستقبل تؤثر سلبا على صورته إذا حلت الرئاسية ثانية والمتوقع إتمامها بعد حوالي ستة أشهر، يومها قد تكون جدت في الأمور أمور.

أما أنصار الفريق الثاني (البرلمانية أولا) فيملك من الحجج الكثير، في مقدمتها فكرة الالتزام بمواعيد وتوقيتات وترتيب خريطة الطريق، التي جعلت الانتخابات البرلمانية أولا، كما أن الدستور الجديد الذي اشترط على المرشح الرئاسي الحصول على موافقة عشرين من أعضاء البرلمان أو تأييد 25 ألف مواطن في 15 محافظة على مستوى الجمهورية، بالتالي سيفقد المرشح ميزة وفرها له الدستور، حال إجراء الانتخابات الرئاسية أولا، ففي ظل غياب البرلمان سيكون المرشح مضطرا للحصول على تأييد الآلاف من المواطنين فقط، وهو ما يجعل فرص الطعن كبيرة على دستورية تقديم الرئاسية على البرلمانية، جرّاء حرمان المرشح الرئاسي من أحدى الفرصتين. أضف إلى ذلك أن الالتزام بالخريطة التي حددت المواعيد وفقا للإعلان الدستوري يقطع الطريق على حملات التشكيك التي يمكن أن تتعرض لها السلطات الحاكمة من جهات خارجية، بخصوص وجود مصالح شخصية وراء التبكير.

الواقع أن القضية أضحت بمثابة معركة، تديرها بعض الأطراف لحسابات تتعلق برؤيتها السياسية، بصرف النظر عن الأضرار الناجمة عن أي من الخيارين. ودخلت على خطوط تماسها قوى لها أهداف تبتعد عن الأهداف الوطنية. لذلك حدث تشويش على المبررات والتفسيرات التي يسوقها أصحاب كل فريق، وتحولت القضية إلى معركة أو مباراة، يسعى كل طرف إلى تجييش أنصاره، وحشد أدواته المختلفة لينتصر فيها، وازدادت سخونة لأن البعض يتعامل معها بحسبانها لا تقبل القسمة على اثنين، وحتى فكرة التزامن بينهما، أي إجراء الرئاسية والبرلمانية في وقت واحد، حالت المعوقات اللوجيستية دون تطبيقها. وأصبح الاختيار عملية محتومة، والذي سيفصل فيه رئيس الجمهورية بعد الانتهاء من الاستفتاء على مشروع الدستور منتصف الشهر المقبل.

الحاصل أن اختيار أي منهما أولا، ستكون له انعكاسات واضحة على الخريطة السياسية القادمة. فالرئاسية أولا، ستمنح الرئيس الجديد فرصة التأثير على وزن القوى داخل البرلمان، انطلاقا من تأييده المعلن أو المستتر لحركات وأحزاب بعينها. كما أن التبكير سيقلل من احتمال حصول الإخوان على عدد جيد من المقاعد في البرلمان.

فالجماعة تبدو الآن في عز ضعفها، بسبب العنف والإرهاب الذي ارتكبته مؤخرا، وتأخير الانتخابات البرلمانية، ربما يمنحها وقتا لترتيب أوراقها واستعادة جزء من عافيتها. المشكلة الحقيقية لا تتعلق بالحسم لصالح أي منهما، لكن بمدى قدرة الحكومة الحالية على قطع شوط في تحقيق الأمن والاستقرار، وهى عوامل ستلعب دورا رئيسيا في وقوف الشارع إلى جانب الاختيار الذي سوف يستقر عليه رئيس الجمهورية المؤقت المستشار عدلي منصور. ووسط توالي الأزمات ستكون الظروف مهيأة أمام الإخوان لتخريب العملية السياسية برمتها. والعكس صحيح، فالمضي قدما نحو تحقيق الغايات الوطنية، وإفشال المخططات التي ترمي للفوضى سيعطى لأي من الخيارين دعما غير محدود، ويوقف زحف القفز على ثورة يونيو من قبل جهات تسعى للركوب على أكتافها. بالتالي فتجاوز هذه المعركة سيفتح الباب لعبور المرحلة الراهنة.


كاتب مصري

9