معركة الرقة ترفع أسهم الأكراد في بورصة الدعم الدولي

الأربعاء 2017/06/07
ترسيخ دور أكراد سوريا

بيروت - خلال سنوات قليلة، تحول أكراد سوريا من أقلية مهمشة إلى قوة عسكرية حقيقية تقف في صف المواجهة الأول ضد تنظيم داعش وتقود بدعم أميركي معركة طرده من الرقة، معقله الابرز في البلاد.

ويأمل الأكراد في تعزيز هذا التحول وجعله مستقبلا أمرا واقعا يتيح لهم تحقيق حلم قديم بإقامة حكم ذاتي في المناطق ذات الغالبية الكردية.

وجاء هذا التغيير المفاجئ في موقع الأكراد نتيجة عوامل عدة بينها قرار النظام السوري بالتركيز على قضايا أخرى ملحة في النزاع الدائر منذ ست سنوات فضلا عن الدعم الكبير الذي تقدمه واشنطن لهم في حربهم ضد الجهاديين.

ولكن انتصارات الأكراد لا تزال تحتاج إلى تمكين، وفق ما يرى محللون، خصوصا انهم يفتقدون الضمانة الدولية الدائمة كما انهم يثيرون غضب الجارة تركيا.

ويقول الخبير في الشؤون السورية من معهد واشنطن فابريس بالانش "يراهن الأكراد على أن السيطرة على الرقة ستضمن لهم دعما دوليا طويل الأمد يتيح لهم بناء روج آفا (غرب كردستان)".

حين بدأ النزاع في سوريا بحركة احتجاجات واسعة ضد النظام السوري في مارس 2011، فضل القياديون الأكراد النأي بالنفس، ما أثار غضب المعارضة السورية.

واستغل الأكراد تصاعد الأزمة وتزايد نفوذهم، لا سيما بعد انسحاب الجيش السوري في منتصف 2012 من المناطق ذات الغالبية الكردية محتفظا ببعض المقار الرسمية، لبناء قوة عسكرية.

ويسيطر الأكراد حاليا على مناطق واسعة في شمال وشمال شرق سوريا. وأقاموا في العام 2013 إدارة ذاتية في مقاطعاتهم الثلاث الجزيرة (الحسكة) وكوباني (عين العرب) وعفرين (ريف حلب)، أطلق عليها اسم "روج آفا".

وعمد الأكراد منذ ذلك الحين إلى التعويض عن عقود من سياسة التهميش الذي اتبعته بحقهم الحكومات السورية المتعاقبة، فبدأوا باستخدام وتعليم اللغة الكردية واستعادة الأسماء الكردية للمناطق واحياء تقاليدهم علنا.

حليف واشنطن الأساسي

وبات حزب الاتحاد الديمقراطي، الحزب الكردي الأكبر في سوريا، وذراعه العسكري وحدات حماية الشعب الكردية، بمثابة الحكومة والقوى الأمنية في "روج آفا".

وركزت الوحدات الكردية في البداية على ضمان أمن المناطق ذات الغالبية الكردية وعدم انزلاقها في النزاع الدائر. لكن هذا الدور تغير في يونيو العام 2014 حين أعلن تنظيم داعش "الخلافة الاسلامية" في مناطق سيطرته في سوريا والعراق.

ويرى الخبير في الشؤون السورية في معهد "سانتشوري" سام هيلر ان "القيادة الكفوءة والموحدة" فضلا عن "العداء الحقيقي للجهاديين" للوحدات الكردية امور سمحت لها بتقديم نفسها على انها الخيار الامثل للتحالف الدولي بقيادة واشنطن ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وبدعم من هذا التحالف، خاضت الوحدات الكردية معارك عنيفة ضد الجهاديين بدأت في كوباني الذي طردتهم منها في يناير 2015.

وبرغم النجاحات ضد الجهاديين، اتخذت أطراف عدة مواقف سلبية تجاه الاكراد. وأثار تقدمهم ميدانياً توتراً مع الفصائل المعارضة التي اتهمتهم بممارسة "التهجير القسري" بحق السكان العرب.

عمود فقري

وفاقم هذا التقدم مخاوف أنقرة التي تخشى إقامة حكم ذاتي كردي على حدودها، وتصنف الوحدات الكردية مجموعة "إرهابية" وتعتبرها امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يقود تمردا ضدها منذ عقود.

وفي مواجهة هذا التوتر، تشكلت قوات سوريا الديمقراطية في اكتوبر العام 2015 كتحالف بين فصائل عربية وكردية يحارب تنظيم الدولة الاسلامية بدعم من التحالف الدولي.

ورغم ذلك، تعد الوحدات الكردية العمود الفقري لهذه القوات التي تضم بين 25 ألف و40 ألف مقاتل، وهي تتولى عملياً قيادتها.

ويبقى هذا التحالف، بحسب مجموعة الأزمات الدولية، "تحت قيادة وحدات حماية الشعب الكردية بشكل مباشر ويعتمد أساسا على المقاتلين الأكراد المدربين من حزب العمال الكردستاني والذين يعدون عموده الفقري".

تسويات لحماية انجازات الأكراد

وبعد تشكيل قوات سوريا الديمقراطية، زادت واشنطن من دعمها العسكري. واقتصر الدعم الأميركي للأكراد في البداية على توفير الغطاء الجوي والمستشارين، فيما كان التسليح حكراً على الفصائل العربية ضمن تلك القوات.

في نوفمبر 2016، اعلنت قوات سوريا الديمقراطية حملة "غضب الفرات" لطرد تنظيم داعش من الرقة.

وتعارض انقرة الدعم الأميركي لقوات سوريا الديموراطية، وتأمل في إقناع الادارة الاميركية الجديدة برئاسة دونالد ترامب بايجاد بديل للسيطرة على الرقة ذات الغالبية العربية. حتى ان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان اعتبر ان واشنطن وانقرة قادرين سويا على تحويل الرقة إلى "مقبرة" للجهاديين.

ولم تلق تركيا آذانا صاغية إذ أعلنت واشنطن في التاسع من مايو أنها ستبدأ ايضا بتسليح الأكراد ضمن قوات سوريا الديمقراطية.

ويرى محللون ان هذا الدعم للوحدات الكردية قد لا يدوم طويلا، كما ان هناك مخاطر تواجه النجاحات الكردية بينها ربما مواجهة مع تركيا.

ويقول نوا بونسي من مجموعة الأزمات الدولية، "حتى الآن، منح الدعم الأميركي لوحدات حماية الشعب الكردية بعض الحماية"، مضيفا "لكن لا يمكننا افتراض انه سيكون دائما، حتى انه قد لا يستمر إلى ما بعد العملية الحالية" لاستعادة الرقة.

وبين التحديات الأخرى، احتمال ان تسعى الحكومة السورية إلى استعادة السيطرة على المناطق ذات الغالبية الكردية، فضلا عن التوترات الداخلية في تلك المناطق نتيجة هيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي.

ويرى بونسي انه سيكون على القيادة الكردية "اظهار قدرتها على القيام ببعض التسويات الاستراتيجية التي ستضطر بموجبها إلى التخلي عن بعض طموحاتها لحماية انجازاتها".

ويضيف "اذا كانت قادرة على القيام بتسويات مع القوى الخارجية والتعامل اكثر مع الضغوطات الداخلية، سيكون بمقدورها ان تحمي الكثير مما أنجزته".

1